«نصر أكتوبر».. شرف منحته مصر لكل عربي

لينا مظلوم

لينا مظلوم

كاتب صحفي

كثيرة الأحداث التى يخفت وقعها فى الذاكرة مع مرور الزمن، يطويها التاريخ بين ملفاته، إلا هذا اليوم «6 أكتوبر» يطل على مصر كل عام مشرقاً بكل سمات الفخر والشموخ، ليؤكد حضوره الدائم فى الوجدان، فى مظاهر الاحتفاء يبقى هذا اليوم عيداً يوثّق أيام الكرامة والعزة التى منحتها مصر للعالم العربى.

أما -وهذا الأهم- فى أوقات التحديات التى تفرض استحضار روح أكتوبر بقوة، روح التلاحم العربى مع القرار المصرى الذى نجح فى قلب موازين القوى حين حطمت بطولات ودماء المقاتل المصرى كل حسابات تل أبيب وغطرستها. المؤكد أن التطورات السياسية والأمنية الخطيرة التى تحيط بالمنطقة العربية حالياً هى أنسب لحظة تستدعى الاصطفاف العربى حول موقف مصر ودول محور الاعتدال لمواجهة كل ما يُحاك من مناورات ومحاولات تستهدف فرض واقع على المنطقة، بما يوائم مصالح وأطماع أطراف خارجية أو معادية.

استحضار أمجاد أكتوبر يضع كل مواطن عربى أمام حقيقة، مصر عام 1973 ضحّت بأغلى أبطالها وتحمّلت الظروف الصعبة التى يفرضها اقتصاد الحرب كى تخلق مكانة جديدة للقوة العربية، بما يُؤهلها لفرض إرادتها ومصالحها فى رسم مستقبل المنطقة.

هذا التغيير الذى أحدثته حرب أكتوبر فى موازين القوى ما زال حتى اليوم يُمثل الذكرى الأكثر إيلاماً عند العدو. هى الحقيقة التى يجب أن نُذكر بها العالم دائماً، خصوصاً أن ردود فعل المجتمع الدولى ظلت تراقب وتدين بمواقف هزيلة المأساة الكارثية التى ما زال يتعرّض لها الشعب الفلسطينى على مدى عامين. استدعاء روح أكتوبر بعيداً عن المراهقة السياسية الداعية إلى دق طبول الحرب، إذ لم تُغير مصر يوماً دعوتها إلى السلام مع امتلاك قوة الدفاع عنه وفق ثوابتها، الدفاع عن سيادة الأراضى المصرية وحقوق الشعب الفلسطينى فى إقامة دولته على أرضه.

اللحظات التى عكست ذروة الوعى الوطنى وامتدت من الشارع المصرى، لتنقل مشاعر الكرامة إلى كل شبر فى المنطقة العربية هى ما تتطلبه اللحظة الحالية. فالتحديات الحالية لا تحتمل المزايدات، ولا مظاهر المراهقة السياسية التى تمارَس من قِبل جماعة محظورة قادتها أجندة المصالح التى تدين بها إلى العزف على خطاب العدو الصهيونى. الوعى بحقيقة أن الظروف المفصلية التى تمر بها المنطقة تستوجب إدارة الأزمات بحكمة ورشد، بدليل أن خطابات التطرّف وممارسات القوة الوحشية، التى أرستها السياسة الهوجاء لرئيس وزراء إسرائيل نتنياهو لم تُسفر إلا عن اشتعال حرائق المواجهات، التى أيضاً لم ولن تنجُ منها إسرائيل.

حرب أكتوبر خلقت فصلاً جديداً فى النظريات والاستراتيجيات العسكرية، التى عرفها العالم من قبل أكتوبر 1973، نظريات حربية جديدة دخلت ضمن مواد الأكاديميات التى تدرس العلوم العسكرية. على صعيد آخر، أيام أكتوبر المجيدة لمست التفاصيل الإنسانية، دماء تدفّقت داخل شرايين الشارع العربى، لتصبح جزءاً من تفاصيل حياته اليومية حين شعر كل عربى بأن نصر أكتوبر هو نصر له، شعور استثنائى يغمرنى يوم 6 أكتوبر كل عام كأى امرأة عربية رد الجيش المصرى الاعتبار لهويتها، حين حطم خط المرارة والهوان.

سرد ملاحم البطولات عبر التاريخ غالباً ما يسمح بمساحة من المبالغة والتعظيم، وحده يوم 6 أكتوبر 1973 كسر هذه القاعدة حين أصبح واقع البطولات، وفق الحقائق التاريخية، التى كشفت عن وثائق وتفاصيل الحرب. إنها ملحمة فاقت كل ما يشوب الملاحم من تهويل.

الشارع الإسرائيلى وهو يتلقى الكشف عن الكثير من الحقائق حول ما سبق ترويجه لهم من جانب العدو، سواء عن قوة الجيش الذى لا يُقهر! أو امتلاكه أقوى أجهزة استخبارية! ما زال حتى الآن يستعيد بمرارة مشاعر الهزيمة التى لم تختفِ تبعاتها. كلما حلت ذكرى حرب أكتوبر تتجدّد مشاعر الرعب والخوف من ذكرى أظهرت التقييم العادل لقدرات الجيش المصرى بعد نجاحه فى تغيير واقع الاستسلام إلى كل من يحاول المساس بأرض مصر أو تجاوز قراراتها السيادية. الجيش المصرى ظل ويبقى الكلمة المحورية، ليس فقط فى مهامه البطولية للدفاع عن أمن الوطن وسيادته، لكن حتى فى اللحظات التى أظهر فيها بقيادة -آنذاك- المشير عبدالفتاح السيسى، انحيازه التام لإرادة الشعب خلال الأحداث السياسية، التى مرت على مصر منذ 2011. ولا غرابة فى ذلك فهو جيش الشعب.