أشرف غريب يكتب: نصر أكتوبر.. إرادة أمة وتماسك شعب

كاتب صحفي

كان الرئيس عبدالفتاح السيسى صادقاً وموجزاً حين قال قبل سنوات فى الاحتفال بالذكرى السادسة والأربعين للعبور العظيم: «إن يوم السادس من أكتوبر عام 1973 لا يمثل فقط نصراً عسكرياً باهراً حققته القوات المسلحة باقتدار، بل هو تعبير فريد عن إرادة أمة، وتماسك شعب استمد من تاريخه العريق صلابة وقوة لا تقهر».

هذا الشعب الذى جنّد كل طاقاته وقدراته الذهنية والمادية والبشرية من أجل هدف واحد هو استعادة الكرامة والكبرياء المصرى والعربى، فأبدع كل فى مجاله سراً أو علانية حتى تحظى مصر بالشرف العظيم، وهو ما كان يقصده الرئيس الراحل أنور السادات صاحب قرار العبور حين قال فى خطابه الشهير بمجلس الشعب يوم السادس عشر من أكتوبر 1973: «نعم سوف يجىء يوم نجلس فيه لنقُصّ ونروى ماذا فعل كل منا فى موقعه، وكيف حمل كل منا أمانته وأدى دوره، كيف خرج الأبطال من هذا الشعب وهذه الأمة فى فترة حالكة ساد فيها الظلام ليحملوا مشاعل النور وليضيئوا الطريق حتى نستطيع أن نعبر الجسر ما بين اليأس والرجاء».

وها هو ذلك اليوم المقصود يتجدد مع كل ذكرى لانتصارات أكتوبر، ويتجدد معها الحديث عن قصص البطولات العسكرية والمدنية التى قدمتها الأمة المصرية جيشاً وشعباً، وكما قال الرئيس السيسى فى المناسبة ذاتها: «إن من حق الأجيال الحالية أن تعرف ماذا حدث فى تلك الفترة، من حقهم علينا نحن من عاصرنا تلك الأيام أن نوضح بجلاء كيف كان الاختبار قاسياً، وكيف استطاع المصريون تجاوزه بنجاح، كيف تكاتف الشعب كله وراء قواته المسلحة، ليصبح الشعب بأكمله جيشاً، ليخرج من هذه الملحمة نصراً يرد الاعتبار، ويفتح الأبواب أمام استعادة الأرض وتحقيق السلام معاً».

نعم من حق الأجيال الحالية علينا أن يعيشوا مثلنا ما عشناه من عزة وفخار فى عام 1973، وأن يستلهموا من روح أكتوبر وتجاربه الخلاقة زاداً وقوة وهم يخوضون اليوم معركة البناء وصناعة المستقبل، ومن بين هؤلاء المجهولين الذين خرجوا من قلب هذا الشعب فى ظروف بالغة الحساسية رجال عملوا فى صمت تحت ضغوط لا يتحملها إلا من يؤمنون بقيمة تراب هذا الوطن ويعملون وفق عقيدة راسخة بأن مصر تستحق التضحية حتى بالروح، رجال قبلوا بحكم طبيعة مهمتهم أن يكونوا فى الخفاء يخوضون عملياتهم فى سرية تامة، وكل جائزتهم المبتغاة هى تحقيق النجاح فى مهامهم الشاقة، وهذا هو مبعث سعادتهم وفخارهم، هؤلاء هم رجال المخابرات المصرية العامة وعملاؤهم الأبطال الذين وفّروا للعسكرية المصرية قبل وأثناء حرب أكتوبر غطاء معلوماتياً كان ضرورياً لاستكمال أسباب النصر الكبير.

ولولا الأعمال الدرامية فى السينما والتليفزيون التى سلطت الضوء على بطولات هؤلاء الرجال ربما ظلوا حتى اليوم مجهولين لا نعرف عنهم شيئاً، خذ لذلك مثلاً أعمالاً مثل: «الصعود إلى الهاوية، دموع فى عيون وقحة، الثعلب، الحفار، حرب الجواسيس، عابد كرمان، العميل 1001»، وغيرها.

ورغم النجاحات الكبرى التى حققتها هذه الأعمال فإن أحداً منها لم يصل إلى ما وصلت إليه ملحمة «رأفت الهجان» من ذيوع وانتشار ربما لأنها اجتمعت لديها مجموعة من العوامل لم تتوفر لغيرها من الأعمال المشابهة، فقد ارتبط كثير من القراء بقصة «الهجان» منذ أن كان يكتبها صالح مرسى فى حلقات عبر مجلة المصور وتعلقوا بأحداثها المثيرة وباتوا فى شوق لمعرفة كيف ستتحول شخوصها إلى أبطال حقيقيين من لحم ودم على شاشة التليفزيون.

كذلك كان للنجاح الطيب الذى حققه مسلسل «دموع فى عيون وقحة» أثره الجيد فى تهيئة الجماهير لمتابعة العمل الجديد للثنائى ذاته صالح مرسى ويحيى العلمى، ومن ثم فقد سبقت «رأفت الهجان» دعاية كبرى لم تتحقق لأى مسلسل آخر فى حقبة الثمانينات، أيضاً أتاح الكشف لأول مرة عن الأسماء الحقيقية لأبطال العمل تشويقاً إضافياً خاصة بفضل الطريقة المبتكرة التى اختار بها صالح مرسى الأسماء الفنية لأبطاله.

فـ«رفعت» أصبح «رأفت»، و«الجمال» تحول إلى «الهجان»، واللواء عبدالمحسن فائق هو محسن ممتاز، ومحمد نسيم هو نديم هاشم، وحسن بلبل هو حسن صقر، و«شريفة» هى فى الأصل «نزيهة»، وهكذا ظل المصريون يمارسون هوايتهم الدائمة فى فك ألغاز بقية أبطال هذه الملحمة فى مجاراة شيقة للعبة صالح مرسى المعتادة، ولا يمكن كذلك إغفال أن «رأفت الهجان» هو الدراما المخابراتية الوحيدة التى قُدمت على ثلاثة أجزاء، ومن ثَم ارتبط المشاهد بأحداث تلك الملحمة فترة أطول من ارتباطه بأى عمل آخر.

والأهم من ذلك كله أن قدرة رفعت الجمال على خداع الجانب الإسرائيلى والبقاء فى تل أبيب نحو عشرين عاماً دون أن ينكشف أمره بل والاستمرار فى خداعهم حتى رحيله عام 1982 مثّلت النجاح الكامل لجهاز المخابرات المصرية العامة وانتصاراً مدوياً على الغطرسة الإسرائيلية استقبله الحس الوطنى فى مصر والقومى فى كل الدول العربية بكثير من الزهو والفخر فى وقت كانت إسرائيل تكيل فيه الضربات للفلسطينيين فى الأراضى المحتلة، ومثّل كذلك ضربة قوية لأسطورة الجاسوس «إيلى كوهين» الذى كانت إسرائيل تتباهى بأنها زرعته فى سوريا ووصل إلى أعلى المناصب هناك قبل أن ينكشف أمره، فما بالنا وقد كشفت الأيام أن رفعت الجمال كان السبب أيضاً فى الإيقاع بكوهين أثناء مهمته فى إسرائيل؟ وعلى هذا أصبح رأفت الهجان أو رفعت الجمال ليس مجرد بطل لعمل فنى مشوق وإنما هو بطل قومى التفّ العرب من المحيط إلى الخليج حول سيرته ونجاحه الخارق.