راجعين.. رافعين رايات النصر

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

عندما نتذكر أيام حرب أكتوبر والانتشاء بالنصر العظيم الذي تحقق، يكاد ينتابنا الآن نفس الإحساس القديم، الإحساس بالعزة والكرامة، بسمو مكانة الوطن، مصر.

وقتها كان المجتمع على قلب رجل واحد، تكاتفت الأيدي، تحمل كل فرد مسئولياته، عسكريا أو مدنيا، صارت البطولات مضرب الأمثال، كل بيت في مصر يشارك بعسكري أو أكثر في الحرب وتحقيق النصر، كان الوقت شهر رمضان، وكان التجمع على مائدة الإفطار، ومع قصص النصر وبرامج الإذاعة وأغاني الحرب كان السهر يحلو في لمة العائلة.

بعد اندلاع شرارة الحرب وتحقيق العبور التاريخي، سارع الفنانون المصريون إلى مبنى الإذاعة والتلفزيون للمشاركة في أعمال فنية تبث الأمل وترفع الروح المعنوية.

قدم المطربون والملحنون والمؤلفون مجموعة من الأغاني التي عاشت حتى الآن وعند إذاعتها تذكرنا بأيام النصر الجميلة، لم تكن أغاني أكتوبر مجرد فن أو ترفيه، كانت أداة تعبئة نفسية ووطنية.

من أبرز الأغاني، تلك التي قدمتها المجموعة من تأليف الشاعرة نبيلة قنديل ولحن زوجها علي إسماعيل، أغنية: «رايحين شايلين في إيدنا سلاح.. راجعين رافعين رايات النصر"، كلماتها ولحنها في قمة العبقرية، مثيرة للحماس، ومجسدة للمشهد عند قيام الجنود أبناء العمال والفلاحين بعبو قناة السويس منطلقين بكل حماس وقوة لتحرير الأرض المغتصبة.

اعتمدت الأغنية على الأداء الجماعي مما جعل المستمع يشعر أنه جزء من الجماعة الوطنية وليس مجرد متفرج.

كتبت نبيلة قنديل كلمات الأغنية ولحنها علي إسماعيل قبل حرب أكتوبر بعام واحد، وكانت معدة في الأصل لأحداث فيلم «العصفور» للمخرج يوسف شاهين.

مع اندلاع حرب أكتوبر، قام يوسف شاهين بإهداء الأغنية للإذاعة تعبيرًا عن فرحته بالانتصار، مؤكدًا أن نصر أكتوبر أهم من الفيلم، أصبحت الأغنية من أهم الأناشيد الوطنية التي جسّدت روح النصر والفرحة في نفوس المصريين.

حتى اليوم، تعد هذه الأغاني جزءا من الذاكرة الوطنية المصرية، تذاع كل عام في ذكرى أكتوبر، وترتبط في الوجدان بالنصر والعزة، منها: بسم الله، لبليغ حمدي، على الربابة لوردة، عاش اللي قال لعبد الحليم، وغيرها كثير من الأغاني التي رددها الناس وقت الحرب.

خرجت تلك الأغاني من رحم لحظة حقيقية، لم تكن شعارات مصطنعة، بعد نكسة 1967، كان الشعب المصري متعطشا لكرامة ونصر، فجاءت الأغاني تعبيرًا صادقًا عن وجدان الأمة في لحظة استعادة الثقة.

كانت أغاني نصر أكتوبر ذروة استخدام الفن كقوة ناعمة وطنية، جمعت بين الحماسة، الجماعية، والصدق الفني، وكانت الإذاعات المصرية تبث هذه الأغاني على مدار اليوم أثناء الحرب وبعدها، لتغذي روح الإصرار والتحدي والفخر في الجنود والمدنيين على السواء.

أثبت الواقع أن الأغنية ليست مجرد صوت جميل، بل سلاح نفسي ومعنوي قادر على دعم المعركة، ورفع الروح الوطنية، وحفظ ذاكرة الأمة للأجيال التالية.