نصر أكتوبر العظيم.. عندما خططت مصر فحققت المستحيل
لم تكن حرب السادس من أكتوبر عام 1973 مجرد مواجهة عسكرية بين جيشين، بل كانت لحظة بعث وكرامة لأمة بأكملها. كانت المرة الأولى التى يتجسد فيها الإعداد الواعى والتخطيط الذكى فى معركة أثبتت أن مصر حين تستعد وتتوحد، فإنها قادرة على صنع المستحيل.
من مرارة الهزيمة إلى دقة الإعداد
بعد نكسة يونيو 1967، لم تغرق مصر فى الحزن طويلاً. أدركت القيادة أن استعادة الأرض تبدأ من استعادة الثقة، فبدأت ورشة العمل الكبرى لإعادة بناء الجيش، تدريباً وتسليحاً وتخطيطاً.
كل خطوة كانت محسوبة، وكل خطة كانت نتاج تحليل علمى دقيق.
وخلال إعدادى لأكثر من 20 حلقة من برنامجى «اختراق» على شاشة التليفزيون المصرى، أجريت لقاءات نادرة مع قادة الأسلحة: الطيران، والدفاع الجوى، والبحرية، وأبطال المجموعة 39 قتال بقيادة الشهيد إبراهيم الرفاعى، الذين نفذوا عمليات بطولية خلف خطوط العدو، زلزلت إسرائيل من الداخل قبل أن تبدأ الحرب رسمياً.
كشكول الجمسى.. عقل المعركة
فى لقائى مع المشير عبدالغنى الجمسى، روى لى تفاصيل مذهلة عن «الكشكول» الذى كتبه بخط يده، وهو دفتر صغير جمع فيه خطة المعركة وأدق ملاحظات مراحلها، من التحركات التكتيكية إلى الخطط البديلة.
كان هذا الكشكول أشبه بعقل إلكترونى قبل عصر التكنولوجيا، شاهداً على عبقرية التخطيط المصرى الذى لم يترك شيئاً للمصادفة.
قال لى الجمسى: «كل كلمة فى هذا الكشكول كُتبت بالعرق، وكل سطر منه يساوى حياة جندى على الجبهة».
الخداع الاستراتيجى.. النصر يبدأ من العقل
أحد أعمدة النصر الكبرى كان الخداع الاستراتيجى الذى أربك إسرائيل والعالم بأسره.
روى لى الدكتور عبدالقادر حاتم، وزير الإعلام الأسبق، تفاصيل خطة الخداع الإعلامى والسياسى: كيف تم بث رسائل مدروسة بعناية عن أن الجيش المصرى منهك وغير مستعد للحرب، وكيف استمرت بعض الوحدات فى تدريبات علنية لإعطاء العدو انطباعاً بالاسترخاء العسكرى.
حتى الصحافة العالمية آنذاك نقلت صوراً للجنود المصريين وهم فى معسكرات التدريب الرمضانية، ما عزّز فكرة أن لا نية للحرب.
لكن خلف هذه الصورة المضلِّلة كانت أدق عملية تجهيز عسكرى فى تاريخ المنطقة تجرى فى صمت.
«كيسنجر».. شهادة الخصم على عبقرية المصريين
حين التقيت بـ هنرى كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكى الأسبق، تحدث بصراحة عن المفاجأة التى هزت واشنطن فى 6 أكتوبر. قال لى:
«لقد فوجئنا بالكامل. لم نتخيل أن مصر قادرة على تنفيذ عملية بهذا الحجم وبهذا القدر من السرية والانضباط. كانت خطة محكمة للخداع الاستراتيجى».
كلماته لم تكن مجاملة دبلوماسية، بل اعتراف من قلب صانع القرار الأمريكى بأن العقل المصرى خطط بذكاء، وقاتل بإيمان.
لحظة العبور.. ساعة المجد
عند الثانية ظهراً من السادس من أكتوبر، دوّت صيحة الله أكبر على ضفتى القناة.
فى دقائق، تحولت مياه القناة إلى جسر للنصر، وجنود مصر يعبرون بأجسادهم ودمائهم نحو الأرض المحتلة.
انهار خط بارليف الذى وصفته إسرائيل بأنه «لا يُقهر»، وسقطت معه أسطورة الجيش الذى لا يُهزم.
وفى الوقت ذاته، كانت الضربة الجوية الأولى تمزق دفاعات العدو، بينما تصدت قوات الدفاع الجوى للطيران الإسرائيلى ببسالة نادرة.
كان كل شىء يتحرك وفق خطة دقيقة وضعت بعقول لا تعرف الفوضى، وقلوب لا تعرف الخوف.
العرب فى خندق واحد
لم تكن حرب أكتوبر معركة مصر وحدها، بل كانت معركة العروبة الواعية.
توحَّدت مصر وسوريا على جبهتين، بينما دعمت الدول العربية الشقيقة المعركة بكل ما تملك.
السعودية قادت سلاح النفط وغيَّرت معادلات الاقتصاد العالمى دعماً للمقاتلين، والجزائر وليبيا والكويت قدّمت السلاح والطائرات، والعراق أرسل قوات على الجبهة السورية.
كان هذا الدعم تجسيداً حياً لوحدة المصير العربى، حين شعر الجميع بأن المعركة ليست لتحرير الأرض فحسب، بل لاسترداد كرامة الأمة.
عندما تدخلت أمريكا.. وتغيرت الموازين
بعد النجاح المذهل فى الأيام الأولى للحرب، دخلت الولايات المتحدة بثقلها العسكرى لإنقاذ إسرائيل، عبر جسر جوى ضخم أعاد التوازن لصالح العدو.
لكن مصر لم تُهزم.
استطاعت القيادة أن تدير الموقف بحنكة سياسية وعسكرية، لتدخل مفاوضات الكيلو 101 وهى تمسك بزمام المبادرة، تفاوض من موقع المنتصر لا المنكسر.
قال لى كيسنجر أيضاً:
«أعترف بأن مصر أجبرتنا على احترامها، لأن قرار الحرب كان قراراً استراتيجياً لا انفعالياً، وأدارته بعقل لا بعاطفة».
كيف نجحنا؟
النجاح فى حرب أكتوبر لم يكن وليد لحظة، بل ثمرة خطة قومية شاملة جمعت بين:
■ العلم والتدريب: إعادة بناء الجيش على أسس حديثة.
■ القيادة الواعية: قرارات محسوبة بدقة من أعلى المستويات.
■ الإيمان بالعقيدة الوطنية: قتال من أجل الأرض لا من أجل المجد.
■ الدعم العربى الحقيقى: وحدة الموقف والسلاح.
لقد انتصرت مصر لأنها لم تعتمد على الشعارات، بل على العقل والإصرار والانضباط.
إرث أكتوبر.. ذاكرة لا تموت
اليوم، بعد أكثر من خمسة عقود على نصر أكتوبر، لا تزال الدروس حية.
ما تحقق لم يكن مجرد انتصار عسكرى، بل تحول فى الوعى الجمعى للأمة.
كانت حرب أكتوبر درساً خالداً فى أن الشعوب التى تخطط وتتعلم وتتحد، يمكنها أن تغير مجرى التاريخ.
وهو ما حاولتُ أن أوثّقه فى حلقات «اختراق» - عبر شهادات من صنعوا النصر بأيديهم - لتبقى الرواية الحقيقية فى ذاكرة الأجيال القادمة:
أن مصر حين تخطط بعقلها، وتقاتل بإيمانها، تنتصر بكرامتها.