ففى لحظة مرتبكة من أيام «الخريف العربى» المتسارعة اختلطت الأدوار، وتشابهت المعانى، وتعقدت الخيوط.. كانت جماعة الإخوان الإرهابية تحشد القوة، وتحرض على ما سمّوه «الجهاد».. لتجهز على ما تبقى من نظام «بشار الأسد»!
وكنا -ساعتها- ننحاز إلى ما اعتقدنا أنها ثورة شعبية، قبل أن تتكشف أبعاد المؤامرة، لنصيح: «لقد وقعنا فى الفخ.. سُرقت ثورتنا».
لم ننتبه كيف تحول «ملك الإحساس» إلى إرهابى، يدعو الشباب العربى للجهاد فى «سوريا».. أطلق «فضل شاكر» لحيته، واعتقل صوته، وخنق إنسانيته بأحباله الصوتية تكفيراً عن «طرب» أسعدنا.. وأغنيات لم يتبق منها إلا نداء: «يا غايب»!!.
تحوّل «صوت فضل» إلى مصيدة للشباب العربى باعتباره قدوة للمجاهدين!. فبينما كان خطباء «مرسى» ينصبونه نبياً، كان بعض خطباء المنابر يساوى «فضل شاكر» بالصحابى «أبوحذيفة بن عتبة».. والإعلام المأجور يحتفى به كبطل قومى!.
ربما صدق «فضل» خدعة النقاء الثورى، أو ربما تورط صوته فى حالة دروشة سياسية بعد، أو كما قال: (استخدمت صوتى خدمة للدين، أنا لست مع القتل والخطف، وأتمنى أن أرجع إلى حياتى الطبيعية وأعيش بين أهلى وأصحابى بين الناس إللى بتحبنى وأحبها). لكن الحياة لم تعد طبيعية، وربما لم تعد من حقه.. ففى يوليو 2013 أصدر القضاء العسكرى اللبنانى مذكرة غيابية بتوقيف «فضل شاكر» والداعية السلفى «أحمد الأسير»، وذلك بعد شهر تقريباً من صدامات مسلحة دامية بين أنصار «الأسير» والجيش بمدينة صيدا.
لقد قُتل عشرون من عناصر الجيش وثلاثون من أنصار «الأسير» فى هذه الصدامات التى اندلعت فى سياق احتجاجات لمؤيدى الثورة السورية -ومنهم «الأسير» وفضل شاكر- على تدخل «حزب الله» فى سوريا لدعم نظام الرئيس «بشار الأسد»!.
واليوم عاد «فضل»، أو ما تبقى من هيئته، ليسلم نفسه للقضاء وقد سبق أن حُكم عليه بالإعدام!!. أشعر بألم يعتصر قلبى، يمزقنى نصفين: نصف يقبل «توبة فضل» ويتجاوز عن غفلته.. ونصف ينحاز لأهالى الشهداء: «جومانا بو صعب»، شقيقة الملازم أول المغوار «جورج بو صعب»، الذى استشهد فى معارك عبرا، تجرحنى بعباراتها الموجعة: (نحن قوم اعتدنا الصمت عن ارتكاب الفظائع بحقنا واغتصاب حقوقنا والتنكيل بجيشنا بحجّة حقن الدماء والحفاظ على العيش المشترك.. غير أن هذه القاعدة التى فرضها أهل السياسة منذ عهد الاستقلال ستسحق)!!.
كيف يتحول الإنسان من فنان محب للحياة، يرقص على إيقاع نغماتها المدهشة، إلى «إرهابى» قادر على أن يرهب مجتمعاً بأكمله بسيف «الحلال والحرام».. أو أن ينضم للجماعات التكفيرية ويقوم بالفعل بحمل السلاح! ونحن نحاول أن نخرجه من تلك الدائرة الجهنمية، أن يعود من المنطقة السوداء التى عششت فيها خفافيش الظلام، واستقطبت العديد من رموز الفن والإعلام لخدمة أهدافها الآثمة، مع بداية ثورات ما سُمى «الربيع العربى»؟!.
لا شك أن خروج أى شخص من الدائرة الجهنمية للجماعات الإرهابية هو مكسب للعروبة بأكملها، ولكن «فضل» رفض أن يناديه مذيع Lbc بلقب فنان، مفضلاً أن يناديه بلقب «الحاج»!!.
أنا لست قاضية، ولا أملك أدلة براءة «فضل» لأقبل تنصله من الإرهاب أو توبته.. أنا واحدة من جمهوره، يتمزق قلبى بين أهالى الشهداء وحقهم فى القصاص وبين حق «فضل» فى العودة للحياة الطبيعية.
فما أصعب أن يحكم الرأى العام على فنان بالإعدام.. حتى لو برّأته المحكمة فيما بعد.. الرأى العام يحتاج لصوت واضح وكلمة محددة، لكن إصرار «فضل» على الأناشيد الدينية والوطنية يؤكد أنه ما زال يعتنق نفس الأفكار التى تحرّم الفن!.
من عاد إلينا هو «شبح فضل».. وليس المطرب الذى أحببناه.. هو صوت اختنق برائحة البارود، وسقط من أعلى السلم الموسيقى إلى خندق كله جماجم وجثث لبنانيين اغتالتها أيادٍ لبنانية.. وفى تلك الخنادق المعتمة يموت الإبداع.
لقد نشر الجيش اللبنانى بياناً جاء فيه: صدر عن القيادة أن «شاكر» سلّم نفسه إلى دورية من مديرية المخابرات عند مدخل مخيم عين الحلوة - صيدا.. بعد أكثر من 13 عاماً من الإقامة داخل مخيم عين الحلوة، الذى كان يُعدّ منطقة عصيّة على الأجهزة الأمنية اللبنانية.
لسنا ملائكة لنحاكمه ولا آلهة تأبى الغفران.. لقد ارتضينا بالقضاء حكماً بيننا.. وما بين المؤبد والإعدام نرى قطعة من فؤادنا تموت علناً لأننا «لا نصالح على الدم».
أنا لا أملك أدلة براءة لـ«صوت فضل».. وليس لدىّ ما يشفع له.. لقد كنا فى غيبوبة الإخوان نبحث عن يقين يُبقى جذورنا فى أرض مصر.. فهل من يقين يمد شريان الحياة لـ«فضل شاكر»؟ ما أصعب أن تعيش على الحدود بين عشق ينتحر وكراهية تولد!!.