إسناد المستشفيات الحكومية للقطاع الخاص خطأ رهيب

يوسف القعيد

يوسف القعيد

كاتب صحفي

توقفت أمام ما نشرته جريدة الأهالى التى يصدرها حزب التجمع التقدمى الوحدوى على صفحة كاملة فى عددها الأخير حول تأجير المستشفيات الحكومية للقطاع الخاص. وهو خبر خطير لأنه يجعلنا نسأل أنفسنا سؤالاً محدداً: من يُعالج الفقراء فى بر مصر الآن؟! ولأنه لا أحد مستعد أن يقوم بهذه المهمة فالأمر بالغ الخطورة والأهمية. ولا بد من التوقف أمامه طويلاً والكتابة عنه أطول.

البعض رأى أن ما جرى عملية تأجير للمستشفيات الحكومية للقطاع الخاص، وهو أمرٌ يهدد فقراء المرضى وأعدادهم بالملايين. من سيعالجهم؟ ومن سيقف معهم فى محنة المرض؟ خاصة فى القرى. حيث يتركز الفقراء هناك ويعيشون عيشة صعبة. فما بالك بالعلاج من المرض؟ ولدينا أمراض متوطنة مثل البلهارسيا ضحاياها كانوا يعدون بالملايين. لكن الدولة فى ظل حكم الرئيس عبدالفتاح السيسى تحركت فى هذا المجال وحاصرته. لكن المرض ما زال موجوداً بنسبة أقل.

السؤال هو: بعد إسناد المستشفيات الحكومية للقطاع الخاص، من يضمن علاج الفقراء فى بر مصر؟ التحقيق المهم الذى نشرته جريدة الأهالى، وكتبته الزميلة نجوى إبراهيم، يقول إن صحة المواطن العادى أو فلنقل الفقير أصبحت فريسة لتحقيق حُلم الأرباح الاستثمارية. ويجب أن نُبعد الصحة العامة للمصريين خاصة الفقراء منهم عن كل ما هو استثمار. فمن حق المواطن على دولته أن يُعالج فى المستشفيات الحكومية على نفقة الدولة. أما المستشفيات الخاصة فلتفعل ما تشاء، وإن كان عليها أن تُراعى ظروف الفقراء من المصريين.

هذا الإجراء كان يجب التفكير قبل الإقدام عليه، ووضع ضوابط للمستشفيات بعد أن يتولى إدارتها القطاع الخاص. فصحة الفقراء مسألة يجب أن توضع فى الاعتبار، وأن تكون أولوية مُطلقة للدولة المصرية الراهنة. لدرجة أن بعض الاقتصاديين وصفوا لى هذا الإجراء بأنه تأجير للمستشفيات العامة. وأن هذا ينسف ويُعطِّل قانون التأمين الصحى الشامل، ويشكل انحرافاً عن مسار التوسع التدريجى فى تطبيقه.

لأن ما جرى حسب ما قال لى الخُبراء فى هذا الموضوع، والذين يتابعونه بدقة وموضوعية أن لدينا حوالى 40 مستشفى على الأقل تمت خصخصتها، وأنا لا أحب كلمة الخصخصة، ولا أتمنى أن تصل إلى ميدان الصحة، فهى حقٌ لكل من لا يملك القدرة على التعامل مع المستشفيات الخاصة.

إن ما جرى حسب آراء المتخصصين تحول خطير جداً، بل بالغ الخطورة يمس حقاً من حقوق المواطن العادى على دولته التى لم يُعرف عنها من قبل مثل هذه القسوة فى التعامل مع ميدان شديد الأهمية، ألا وهو العلاج بشكلٍ عام.

إننى أسأل الدكتور خالد عبدالغفار، والرجل له تاريخه فى الوقوف مع الفقراء وغير القادرين على العلاج فى وقائع كثيرة جداً لا يسمح لى الحيز بأن أتوسع فيها. فكيف وصلنا إلى ما وصلنا إليه إزاء المستشفيات الحكومية التى يعيش ملايين الفقراء على أمل أن يجدوا فيها العلاج بالحد الأدنى من الأجور. خصوصاً أننا ما زلنا نعانى من مرضٍ كان وباء رهيباً من قبل ألا وهو البلهارسيا، وكان يهدد سكان الريف المصرى بالذات وأهل القُرى بمرضٍ لا شفاء منه إلا فى أضيق الحدود.

فكيف وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ لن أكتب عن أسعار الدواء التى ترتفع بشكل جنونى وغير عادى فى الفترة الأخيرة، ولن أذكر الأرقام التى أدفعها أنا شخصياً لشراء الدواء من الصيدليات. حتى الأدوية الأساسية والتى لا بد منها، والتى يضطر الإنسان لاستخدامها بشكل يومى ربما أكثر.

الأمر فى حاجة لإعادة نظر.