العائدون إلى مناطقهم في غزة: «هنبنى ونعمّر.. وشكراً لمصر أم الدنيا»

كتب: سمر عبد الرحمن

العائدون إلى مناطقهم في غزة: «هنبنى ونعمّر.. وشكراً لمصر أم الدنيا»

العائدون إلى مناطقهم في غزة: «هنبنى ونعمّر.. وشكراً لمصر أم الدنيا»

ليالٍ طويلة عاشها الفلسطينيون تحت وابل من الرصاص والصواريخ، حتى امتلأت السماء بالدخان، وهُدمت البيوت، وهُجر الأهالى من قطاع غزة إلى الجنوب فى رحلة نزوح امتدت لعامين كاملين.

لكن اليوم يتنفسون من جديد، ويخطون أولى خطواتهم نحو أرضٍ كانت قبل أيام قليلة مجرد ذكريات مؤلمة وعذابات لا تنتهى، يعودون إلى غزة المكلومة، بعد أن توصلت مصر وعدد من الوسطاء إلى اتفاق يقضى بوقف إطلاق النار وانسحاب الجيش الإسرائيلى من القطاع. وفى طريق العودة يعلق المواطنون آمالهم على التزام إسرائيل ببنود الاتفاق، وإنهاء حرب خلفت آلاف الشهداء ودمرت كل شىء.

الخيام التى احتضنتهم خلال الحرب، وإن كانت مأوى مؤقتاً، تحولت إلى سجن كبير حبسوا فيه الخوف والفقد، احتموا داخلها من أزيز الطائرات وهدير الانفجارات، لكنهم اليوم يعودون إلى ديارهم المهدمة فى غزة، بحسب محمد أيوب: «حابين نرجع على ديارنا حتى لو تهدّمت، ما راح نستسلم، واليوم رجعت وحدى أتفقد الأوضاع، وأشوف إذا كان الطريق آمن ولا لأ، لإننا قبل كده مشينا وكان الطريق ملغم من الجيش الإسرائيلى، إذا الطريق آمن، هرجع آخد ما تبقى من عيلتى».

ومع دخول قرار وقف الحرب حيز التنفيذ، كانت أولى خطوات أسرة النشايبى نحو غزة، الأرض المغروسة فى ذاكرتهم منذ الطفولة، يؤمنون أنه حتى وإن كان الطريق الذى يتناثر فيه ركام البيوت، ورائحة التراب التى اختلطت بالدخان، هو نفسه الذى تركوه من قبل، لكنهم مصممون على العودة.

راغب النشايبى، أحد العائدين من مخيمات النازحين فى خان يونس، يقول: «كل شىء تغير، الطرق غير واضحة، المبانى مدمرة، لكن قلوبنا ما زالت تنبض بالحياة، نشتاق للعودة إلى غزة مهما كانت الخسائر، غزة ستظل فينا، فى قلوبنا وفى أرضنا.. نشتاق إليها كما اشتقنا لأفراد عائلتنا الذين فقدناهم.. اليوم راح نرجع ونبدأ نعمر.. وشكراً لمصر وكل الدول اللى ساهمت فى وقف إطلاق النار».

بخطوات مسرعة، تمشى «زينب معروف»، تحمل حقيبتها بيد، وفى الأخرى صورة قديمة لعائلتها فى بيتهم شمال القطاع، تقول: «ولدى اتصل بأصدقاء فى شمال غزة ليسأل عن الأمان، أخبرونا إن منزلنا تهدم، لكننا قررنا العودة. سنعيش على أطلال منزلنا، أو ننصب خيمتنا بجانبه، لكننا أخيراً سنجتمع مع ما تبقى منا».

على أطراف المدينة، اجتمع عشرات النازحين فى الطرقات، يتبادلون القصص، العيون مليئة بالدموع بعد الانتصار، عائلة «شحمة»، أخيراً يلتقون بأحبائهم بعد الفراق الطويل، فى المنتصف كانت الأيدى تلتقى، والقلوب تُعانق بعضها، رغم أن الأجساد كانت تعبر عن مأساة لا يمكن وصفها بحسب العباسى شحمة: «أهالينا قابلونا فى الطريق خارج غزة، نتجهز لزيارة منزلنا المدمّر فى حى الشجاعية، ما فيش مكان يعوضنا عن غزة، صحيح البيوت تدمّرت، والطرق تهدمت، لكن الأرض اللى تحتنا هى نفسها، ورغم كل اللى صار، هنرجع لبيوتنا لكن هاد المرة دون الخوف من أصوات الصواريخ ولا اقتحام الطائرات والدبابات».

فى زحمة العودة كان الشاب «يوسف الشرافى»، يحاول تهدئة ما تبقى من أفراد أسرته، خاصة بعد فقدان ابنه منذ أيام قليلة فى غارة على مخيم فى خان يونس: «منذ أيام فقدت ابنى، لذلك أردت العودة سريعاً حتى وإن كان الطريق ليس آمناً، أول مرة أرجع بعد كل اللى صار، هناك فى غزة درست فى الجامعة، واشتغلت وتزوجت وأنجبت، لكنى اضطررت للنزوح بعدما هجّرنا جيش الاحتلال، واليوم أعود حتى لو الأرض كلها اتحوّلت رماد، لازم نرجع نبنيها ونقويها، لأن غزة هى اللى علمتنا إن الحياة ما بتوقف».

عبر طريق الرشيد الساحلى، سلكت أسرة إنشاصى طريقها إلى العودة إلى منزلها إلى حى الزيتون بغزة، ورغم أن الخراب كان يحيط بكثير من العائدين، إلا أنهم يخطون بسرعة آملين أن يصلوا إلى غزة دون عرقلة، بحسب ياسر إنشاصى: «كنا نعيش حياة صعبة فى المخيمات، لكن كان الأمل يحدونا فى أننا سنصل إلى غزة يوماً، عارفين إن البيوت المهدمة، والحياة قديش هتكون صعبة، لكن فى نفس الوقت، هتكون هادية ما لم تخلف إسرائيل اتفاقها، نفسى نعيش بدون حرب، نبنى ونعمر ونكبّر ولادنا فى بلدنا».


مواضيع متعلقة