حقن الدماء وأفراح غزة

■ أعلن عن وقف إطلاق النار فى غزة طبقاً لخطة «ترامب»، وبعد الوقف العملى إذا بغزة تتحول إلى عرس كبير، فالأب يحتضن ما تبقى من أولاده وأسرته، الأم تبكى من فقدته وهى تحتضن الباقين، الجميع لا يصدق أن الكابوس سينتهى بعد أن دام عامين كاملين، فقد فرحوا بالهدنة من قبل ولكن «نتنياهو» كعادته قتل فرحتهم، ولكن هذه المرة تختلف عن سابقاتها، شقيق يحتضن شقيقه لأول مرة منذ أكثر من عام، رجل يبكى بعد أن عاد ورأى منزله حطاماً.

■ مسيرة طويلة ممتدة تتوجه من الجنوب للشمال عبر شارع الرشيد الذى يحفه البحر من ناحية وحطام غزة من ناحية أخرى، يحملون أقل المتاع فى رحلة مكوكية تكاد تكون السابعة أو العاشرة ولكن هذه المرة إلى مدينة غزة.

■ شاب صغير يشتاق إلى رائحة شمال غزة ويتمنى العودة إليها، رجال الدفاع المدنى الذين تحملوا الكثير واستشهد منهم الكثيرون تجمعوا وأخذوا يكبرون تكبيرات العيد ويسجدون لله شكراً.

■ ما أحلى وقف القصف والقتل ونزيف الدماء، ما أحلى الأمان، ما أحلى السلام، ما أحلى حقن الدماء.

■ فرحة غامرة اجتاحت غزة، زغاريد، رقص، غناء، عودة إلى الديار، أمان، اطمئنان، إنه حقن الدماء، فحقن الدماء هى أعظم هدية يقدمها أى قائد لشعبه وأمته، فيعصم دماءهم، ويحقق أمنهم وسلامهم وعافيتهم.

■ وما من صلح على وجه الأرض إلا كان فيه ضيم وهضم للطرف الأضعف ولكن الله يحول هذا الضيم إلى عدل ونصر، حتى سمى الله صلح الحديبية «فتحاً» «إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً» سماه فتحاً، البعض يظن أنها نزلت فى فتح مكة وهذا خطأ، بل نزلت فى صلح الحديبية.

■ وقد اعترض بعض الصحابة على البنود المجحفة فى الحديبية ولكن لما نزلت هذه الآية قالوا للرسول: أفتح هو؟ فأجابهم بالإيجاب، فاستراحت ضمائرهم.

■ هذه أبرز حقائق الدين والحياة التى خبرتها وعشتها بقلبى وقلمى ووجدانى.

■ ليس هناك صلح على وجه الأرض إلا وفيه ضيم وهضم لأحد الطرفين، وعادة ما يكون الأضعف، والمفاوضات لا تعرف صاحب الحق من الباطل، ولكنها تعرف ميزان القوة والضعف، فميزان الدنيا القوة والضعف، أما ميزان الآخرة فهو الحق والباطل، ففى الدنيا ينتصر القوى وفى الآخرة ينتصر صاحب الحق، ولو كانت الدنيا دار عدل ما نصب الله موازين الآخرة.

■ ولقد قبل رسول الله «صلى الله عليه وسلم» الشروط المجحفة فى صلح الحديبية حقناً للدماء من الطرفين، أصحابه وكفار قريش معاً، لأن الرسول اعتبر قادة قريش مثل خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعكرمة بن أبى جهل مشاريع قادمة لصالح الإسلام وقد حدث، ولو قتلوا وقتها لماتوا على الكفر، ولكنه ادخر دماءهم وجهودهم لنصرة الإسلام وهذه من عبقريته الدعوية.

■ وما من قائد يحقن دماء أبنائه وشعبه راضياً بالضيم أو الهضم فى شروط الصلح إلا أعطاه الله أكثر مما يتصور وحوّل الشروط المجحفة بفعل الزمن إلى عناصر إيجابية ببركة حقن الدماء، وقد فعل ذلك نور الدين محمود، وصلاح الدين الأيوبى، وأنور السادات، وبعدها تحولت الشروط المجحفة إلى نصر مبين.