من وقف الحرب إلى بناء السلام.. مصر تؤكد ريادتها في إقرار الهدنة وإعادة إعمار غزة

كتب: ماريان سعيد

من وقف الحرب إلى بناء السلام.. مصر تؤكد ريادتها في إقرار الهدنة وإعادة إعمار غزة

من وقف الحرب إلى بناء السلام.. مصر تؤكد ريادتها في إقرار الهدنة وإعادة إعمار غزة

بعد عامين من الحرب المدمرة على قطاع غزة، تدخل المنطقة مرحلة مفصلية جديدة، تتجه فيها الجهود الدولية والإقليمية نحو تثبيت وقف إطلاق النار، وبدء تنفيذ خطة إعادة الإعمار، فى ظل دور مصرى فاعل، ورؤية دولية لإطلاق مسار سياسى شامل، ينهى دوامة الصراع، ويمهد لإقامة الدولة الفلسطينية.

«حجازى»: المشهد يعكس تضافر الجهود الدولية والإقليمية لوقف «حرب الإبادة» وصولاً إلى «حل الدولتين»

وأكد السفير محمد حجازى، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن المشهد الحالى يعكس تضافر الجهود الدولية والإقليمية ونجاحها فى التوصل إلى وقف حرب الإبادة فى قطاع غزة، مشيراً إلى أن عناصر تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق، الخاصة بتبادل الأسرى والمحتجزين ورفات المتوفين، تتضمن وقف إطلاق النار، وانسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلى إلى نقاط متفق عليها، وفتح المعابر أمام المساعدات والإغاثات الإنسانية العاجلة، إلى جانب العمل المشترك على تفسير باقى البنود، بالشكل الذى ترتضيه الأطراف، وصولاً إلى مرحلة الحوكمة، وإدارة قطاع غزة، وضبط الأمن، تمهيداً لانطلاق عملية إعادة الإعمار.

وأشار «حجازى»، فى تصريحات لـ«الوطن»، إلى أن دعم الأسرة الدولية يسير فى اتجاه تنفيذ خطة الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، التى تلتقى مع وثيقة «حل الدولتين»، حيث يجمع الجميع على أن المشهد الحالى مؤهل لقيادة المنطقة نحو إقامة الدولة الفلسطينية، وفقاً لخطة ترامب، ووثيقة الحل، مع الحرص على ألا يقتصر ما تم الاتفاق عليه على مجرد وقف الحرب فى غزة، رغم أهميته، وإنما أن يكون منطلقاً لإطلاق الجهود والوساطات من أجل التوصل إلى حل عادل ودائم قائم على حل الدولتين، مؤكداً أن المرحلة القادمة يجب أن تمتد لتشمل الملف السياسى، وتمكن الفلسطينيين من إدارة قطاع غزة، على أن تمتد قدرات السلطة الوطنية الفلسطينية لتشمل الضفة الغربية والقطاع والقدس الشرقية، تنفيذاً لقرارات الشرعية الدولية، وامتثالاً لحكم محكمة العدل الدولية الصادر فى يوليو الماضى، والقاضى بأن الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية تشكل جميعها الأراضى الفلسطينية المحتلة.

«مطاوع»: المرحلة الثانية هى الأكثر صعوبة.. وسلاحنا الحقيقى هو الإنسان الفلسطينى

من جانبه، قال المحلل السياسى الفلسطينى، الدكتور عبدالمُهدى مطاوع، إنه وفقاً للخطة الأمريكية فإن دور «حماس» يقتصر على ثلاث نقاط، تشمل تسليم الرهائن، والخروج من الحكم، ونزع السلاح، مشيراً إلى أن الحركة أعلنت موافقتها على النقطتين الأوليين، بينما أرجأت النقطة الثالثة، لتترك مساحة للتفاوض، إلا أن المشهد الذى شهدناه مؤخراً، يؤكد أن الأمور تسير نحو تنفيذ الخطة، لكن العقبة الحقيقية فى تنفيذها ستكون فى المرحلة الثانية، المتعلقة بالانسحابات، وتسليم السلاح، ودخول قوات دولية إلى القطاع.

وأوضح «مطاوع» أن المفاوضات التى جرت تمحورت فقط حول المرحلة الأولى من الاتفاق، والتى تشمل تبادل الأسرى، وفتح المعابر، معتبراً أن ما يثار فى الإعلام عن مراحل أخرى غير دقيق، وأضاف أنه وفقاً لتنفيذ الخطة كما هى، يعنى ذلك أن إسرائيل ستبقى مسيطرة على ما بين 45 و50% من مساحة القطاع فى المرحلة الأولى، على أن تبدأ انسحابات تدريجية فى المراحل التالية، لتصل إلى ما يسمى «المنطقة العازلة» شرق غزة، بينما يبقى «محور فيلادلفيا» تحت السيطرة الإسرائيلية.

وتابع المحلل السياسى الفلسطينى أنه عند الحديث عن اليوم التالى للحرب، فعلى حركة «حماس» مراجعة حقيقية لمسارها السياسى منذ 18 عاماً، بعد أن وصلت إلى طريق مسدود، وأن تكف عن الارتهان لأجندات خارجية، مضيفاً: «أى مقاومة لا تعزز بقاءنا على أرضنا، ليست مقاومة ناجحة، فالصراع مع الاحتلال هو صراع ديموجرافى بالأساس، وسلاحنا الحقيقى هو الإنسان الفلسطينى»، مشيراً إلى أن معظم الفصائل الفلسطينية الأخرى لم تخرج عن عباءة «حماس»، بما فى ذلك بعض فصائل اليسار، معتبراً أنها فقدت مشروعها الحقيقى، أما حركة «فتح»، بحسب قوله، فهى تعانى من خلط بين مؤسسات السلطة والحركة، مما أثر على شعبيتها.

«العمدة»: إعادة الإعمار تتجاوز «الترميم» إلى «التنمية الشاملة».. والتكلفة تتخطى 50 مليار دولار

وفيما يخص ملف إعادة إعمار قطاع غزة، أكد الدكتور كريم العمدة، أستاذ الاقتصاد السياسى، أن إعادة إعمار القطاع الفلسطينى، بعد الحرب الأخيرة، تمثل تحدياً ضخماً وغير مسبوق، موضحاً أن حجم الدمار الذى لحق بالبنية التحتية والمنازل والمرافق العامة يجعل من عملية الإعمار مشروعاً شاملاً يتجاوز الترميم إلى إعادة بناء كاملة من الصفر، وأن التقديرات الأولية تشير إلى أن تكلفة إعادة الإعمار قد تتجاوز 50 مليار دولار، تشمل إعادة بناء المساكن والطرق وشبكات الكهرباء والمياه ومحطات الصرف الصحى والمستشفيات والمرافق العامة، مؤكداً أن تلك الأرقام تبقى تقريبية، فى ظل عدم وجود إحصاء نهائى دقيق للخسائر.

وأضاف «العمدة»، قائلاً لـ«الوطن»، إن خطة الإعمار يجب ألا تقتصر على إعادة بناء ما كان قائماً، بل أن تُبنى على رؤية اقتصادية وتنموية حديثة، تجعل من القطاع منطقة واعدة للاستثمار والنمو، وأضاف: «لا بد أن تتحول غزة من منطقة منكوبة إلى منطقة اقتصادية متكاملة، تضم مناطق صناعية وسياحية وتجارية، بما يتيح فرص عمل كريمة للشباب، ويكبح عوامل الفقر والتطرف»، موضحاً أنه من الضرورى أن يتم تخطيط الإعمار بأسلوب علمى يقوم على التنمية الشاملة، بحيث يتم إنشاء مناطق صناعية لتصنيع المنتجات المحلية، إلى جانب مناطق تجهيز الصادرات، ما يسهم فى دمج غزة ضمن الاقتصاد الإقليمى، وشبَّه النموذج الاقتصادى المقترح بما حدث فى دول مثل تايوان، حيث تم استثمار المساحات المحدودة لصالح التنمية الصناعية والتجارية، إذ إن تحسين مستوى المعيشة، وتوفير فرص عمل مستقرة للشباب، سيسهم فى بناء بيئة أكثر استقراراً.

وفيما يخص المرحلة الأولى من الإعمار، شدد الخبير الاقتصادى على أن الأولوية يجب أن تكون لتوفير مقومات الحياة الأساسية، مثل رصف الطرق، وتشييد محطات الكهرباء والمياه، وتوفير الصرف الصحى، مؤكداً أن عملية الإعمار لا يمكن تنفيذها على مراحل منفصلة، بل يجب أن تسير بشكل متزامن، لتأمين المسكن والعمل والخدمات الأساسية لسكان القطاع، الذين يعيش أكثر من مليونى شخص منهم فى ظروف إنسانية قاسية، داعياً إلى ضرورة وضع خطة إنقاذ اجتماعية موازية، تتضمن تقديم دعم نقدى مباشر للأسر المتضررة، إلى حين توفير فرص عمل دائمة، إضافة إلى تسهيل حركة التجارة الداخلية وتشغيل العمالة الفلسطينية داخل غزة، بدلاً من الاضطرار إلى العمل فى إسرائيل، كما كانت الحال فى السابق.

وحول دور مصر فى ملف الإعمار، أكد «العمدة» أن القاهرة تمتلك خبرات اقتصادية وإنشائية متقدمة فى مجالات البنية التحتية، ما يؤهلها للقيام بدور محورى فى تنفيذ خطة الإعمار، وقال إن الشركات المصرية العاملة فى قطاع المقاولات ستكون فى مقدمة المشاركين فى تنفيذ المشروعات داخل غزة، مشيراً إلى أن مصر تمتلك تجربة ناجحة فى التنمية الحضرية والمرافق العامة، يمكن أن تُطبق فى القطاع، واختتم أستاذ الاقتصاد السياسى تصريحاته بالتأكيد أن نجاح عملية إعادة إعمار غزة تعتمد على تبنى المجتمع الدولى خطة متكاملة للتنمية، وليس فقط لتشييد المبانى، لافتاً إلى أن تحقيق ذلك خلال سنوات قليلة ممكن، إذا توافرت الإرادة السياسية، والتمويل الدولى الكافى.


مواضيع متعلقة