«البحر الأحمر» يكشف عن أسوأ الكوارث المناخية على سطح الأرض قبل ملايين السنين

كتب: محرر

«البحر الأحمر» يكشف عن أسوأ الكوارث المناخية على سطح الأرض قبل ملايين السنين

«البحر الأحمر» يكشف عن أسوأ الكوارث المناخية على سطح الأرض قبل ملايين السنين

كتبت : دينا أبو زهرة

من معجزة «انشقاق البحر» أمام «نبى الله موسى» للخروج من مصر، كما ورد فى النصوص الدينية، إلى العديد من الكوارث الجيولوجية، التى يكشف عنها العلم الحديث بين فترة وأخرى، يظل البحر الأحمر رمزاً للتحولات الكبيرة فى تاريخ كوكب الأرض، فذلك المسطح المائى الهائل، الذى يُعد واحداً من أهم الممرات البحرية والأنظمة البيئية فى العالم، تعرض للجفاف، وتحول إلى صحراء قاحلة، ثم عاد للحياة من جديد نتجة طوفان هائل، أعاد تشكيله من جديد.

دراسة حديثة: المسطح المائى تحول إلى صحراء قاحلة بالكامل قبل نحو 6٫2 مليون عام ثم غمره طوفان هائل للمحيط الهندى أعاده للحياة من جديد

ففى اكتشاف علمى مثير، كشفت دراسة حديثة أن البحر الأحمر مرّ بواحدة من أكثر الأحداث البيئية تطرفاً فى تاريخ الأرض، إذ جف بالكامل قبل نحو 6.2 مليون عام، ثم غمره طوفان كاسح من مياه المحيط الهندى، أعاده إلى الحياة من جديد، وبحسب الدراسة، التى قادتها الباحثة تيهانا بينسا، من جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية «كاوست»، فى المملكة العربية السعودية، فإن هذا الحدث لم يكن مجرد تغير جيولوجى عابر، بل تحول جذرى فى شكل النظام البيئى الإقليمى، أعاد رسم ملامح البحر الأحمر وربطه بالمحيط الهندى على نحو دائم.

تقول «بينسا»، فى بيان صحفى مرافق للدراسة، التى نشرت نتائجها فى مجلة «كوميونيكيشنز إيرث آند إنفايرونمنت»، التابعة لمؤسسة «نيتشر»: «تكشف نتائجنا أن حوض البحر الأحمر سجّل واحدة من أكثر الظواهر البيئية تطرفاً على وجه الأرض، إذ جف تماماً، ثم فاضت مياهه فجأة قبل 6.2 مليون سنة، فحوّل الطوفان الحوضَ بالكامل، وأعاد الظروف البحرية، وربط البحر الأحمر بالمحيط الهندى إلى الأبد».

تُظهر السجلات الجيولوجية أن البحر الأحمر بدأ يتكوّن قبل نحو 30 مليون سنة، عندما بدأت الصفائح التكتونية الأفريقية والعربية بالانفصال، فنتج عن ذلك وادٍ عميق، تتخلله بحيرات متفرقة، لكن قبل 23 مليون سنة، تدفقت مياه البحر الأبيض المتوسط إلى هذا الوادى، فكوّنت البحر الأحمر الأول، غير أن الأمور تغيّرت جذرياً قبل نحو 6 ملايين عام، عندما شهد البحر ما يسميه العلماء «أزمة الملوحة الكبرى»، وهى فترة استمرت نحو 640 ألف سنة، انخفض خلالها منسوب المياه بشدة، وارتفعت درجة الملوحة إلى مستويات قياسية، تجاوزت قدرة الكائنات البحرية على البقاء، ما أدى إلى انقراض شبه كامل للحياة فى المنطقة، وفى بعض المواقع، تراكمت طبقات من الأملاح بعمق يصل إلى كيلومترين، لتشكل ما يشبه صحراء ملحية قاحلة، فى قلب ما كان يوماً بحراً زاخراً بالحياة.

وتشير الدراسة إلى أن هذا الجفاف الشامل انتهى عندما اخترقت مياه المحيط الهندى حاجزاً بركانياً كان يفصل البحر الأحمر عن خليج عدن، وهو ما يُعرف اليوم باسم «حاجز حنيش»، مكوّن من سلسلة براكين وجبال بحرية تمتد فى قاع البحر، ويعتقد الباحثون أن هذا الاختراق حدث بسرعة مدهشة خلال أقل من 100 ألف عام، مما أدى إلى فيضانات هائلة، غمرت الحوض الجاف بأكمله، وأحدثت وادياً بحرياً عميقاً بطول 320 كيلومتراً، وبعرض 8 كيلومترات يمتد من خليج عدن إلى البحر الأحمر، ولا يزال أثره واضحاً فى قاع البحر حتى اليوم.

وتوضح «بينسا» أن «الطوفان أعاد التوازن للنظام البيئى، وأعاد الحياة البحرية، وأرسى الأساس الذى نعرفه اليوم للبحر الأحمر، كأحد أكثر المسطحات المائية تميزاً من حيث الملوحة والتنوع البيولوجى»، مشيرةً إلى أن الباحثين اعتمدوا، فى دراستهم، على تحليل طبقات الصخور والرواسب فى قاع البحر الأحمر، باستخدام بيانات زلزالية متطورة، تُظهر البنية الطبقية بدقة، توصلوا إلى اكتشاف ما يُعرف بـ«عدم التوافق الطبقى»، وهو دليل جيولوجى قوى يشير إلى انقطاع مفاجئ فى الترسيب بسبب جفاف البحر، حيث وُجدت طبقات أفقية حديثة فوق طبقات أقدم مائلة، ما يدل على أن البحر انكمش تماماً، قبل أن تعود المياه لتغمره مجدداً.

يمثل هذا الاكتشاف، وفقاً للعلماء، نموذجاً نادراً لفهم كيفية تفاعل العوامل الجيولوجية والمناخية فى تشكيل البحار والمحيطات، فبينما يُعرف البحر الأحمر اليوم بصفته أحد أكثر البحار ملوحة فى العالم، وموطناً فريداً للشعاب المرجانية والكائنات البحرية المتكيفة مع الحرارة العالية، فإنه فى الماضى البعيد كان صحراء ملحية ميتة، قبل أن يعيد الطوفان القادم من الشرق الحياة إليه، ويؤكد الباحثون أن هذه الظاهرة الاستثنائية لا تقتصر على التاريخ الجيولوجى للبحر الأحمر فحسب، بل تسلط الضوء أيضاً على قدرة الطبيعة على التحول المفاجئ بين الحياة والموت، بين البحر والصحراء، بفعل تغيرات تكتونية ومناخية متداخلة، وتختتم «بينسا» بيانها الصحفى بالقول: «لقد غيّر الطوفان وجه البحر الأحمر إلى الأبد، فحيث كان الموت، عادت الحياة».


مواضيع متعلقة