قصة السعادة والشقاء
إذا كانت ثنائية الليل والنهار -فى مطلع سورة «الليل»- تحكى رواية الحياة فإن ثنائية السعى المختلف تروى لك حدوتة الإنسان على الأرض.. يقول تعالى: «إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى». انظر إلى أى مجموعة من البشر وهم يسيرون فى دروب الحياة، وسوف تلاحظ مدى التضارب -بينهم- فى اتجاهات السير، هذا يمشى يميناً وذاك يساراً، هذا يعدو إلى الأمام، وذاك إلى الخلف، هذا يعلو وهذا يهبط، وقس على ذلك.
سعى الناس فى الحياة مختلف ومتضارب، والذى يحكمهم دائماً هو قانون التنافس، وحينما تشتد المنافسة تتحول إلى صراع قد تراق فيه الدماء وتسلب فيه الحقوق. والمسألة قديمة متجددة منذ عصر ابنى آدم.. قال تعالى: «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ».
فسعى البشر على مسرح الحياة متشتت ومتباين ومختلف، وهو يجرى فى اتجاهين: الاتجاه الأول هو العطاء والبذل، والاتجاه الثانى هو البخل والمنع.. قال تعالى: «فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى* وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى* وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى». العطاء للحياة هو سر استمرارها، كما أنه سر الاستمرار فيها، واقتران العطاء بالتقوى يضعنا أمام حالة من حالات «البذل المخلص» الهادف إلى تحسين واقع الحياة، والدفع بها نحو الأمام.
والعطاء هنا معنى شامل لكل صور البذل للآخرين من البشر، بل ولكل مخلوقات الله، فالعطاء قد يكون بالعلم أو بالمال أو بالعمل أو بأى معطى آخر من معطيات الحياة. والعطاء كما ذكرت لك هو الآلة التى تضخ الحياة فى الواقع المعيش، وهو أيضاً الذى يمنح الحى قيمته ومكانته داخل هذا الواقع. فالفرد يستمد كيانه، داخل المجموع الذى يعيش فيه، من منسوب عطائه.
والطرف الثانى فى معادلة العطاء هو البخل والمنع، ويصور حال البخلاء، الذين يشحون بما يملكون من علم أو مال أو عمل أو جهد أو طاقة عن الآخرين. والفارق الأساسى بين المانح والمانع، أو المعطاء والبخيل، هو فارق فى التصديق بـ«الحسنى»، أو بعبارة أخرى الإيمان بضرورة البحث عن الأحسن والأفضل والأمثل فى هذه الحياة، فالمانح المعطاء يبحث دائماً عن الصورة المثلى للحياة ويبذل غاية جهده فى سبيل ذلك، وحين يُخيّر فإنه يختار «الأحسن»، بل الأكثر أفضلية وكفاءة وإجادة «الحسنى»، أما البخيل الذى يظن أن بإمكانه أن يستغنى عن الحياة والأحياء بشحه فإنه حين يخير يختار الأسوأ والأكثر فساداً وإضراراً وإنهاكاً وإرباكاً للحياة، لأنه يكذب بمبدأ «الحسنى».
والسعى دائماً ما تكون له نتيجة.. يقول تعالى: «وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى* وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى* ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى»، فجزاء المانح المعطاء هو أن ييسره الله لليسرى، فيحيا حياة بسيطة سهلة سلسة لا يقابل فيها تعقيدات، وتلك -كما تعلم- هى الحياة السعيدة، وأما البخيل المستغنى فجزاؤه الدفع إلى مربع «العسرى» فتتعقد حياته وتصعب، ويصبح الشقاء مصيره.