الرأي العام ينهي حرب غزة

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

من أهم سمات الزمن المعاصر، التأثير اللامحدود للرأى العام. لمسنا ذلك فى العدوان الإسرائيلى الغاشم على غزة وتدمير بنيتها التحتية واستشهاد حوالى 70 ألف مدنى، منهم عدد كبير من الأطفال، ومنهم عائلات كاملة اجتثت من جذورها ونسلها كاملة. حاولت إسرائيل التعمية على الرأى العام، لكن تم اختراق كل الحواجز من خلال وسائل التواصل الاجتماعى، ومن خلال السينما وصحف وصحفيين التزموا بميثاق الشرف الصحفى والإعلامى وقدموا الحقائق ولو كانت مختصرة أو حتى ناقصة.

ما نُشر فى وسائل الإعلام وما بُث فى وسائل التواصل الاجتماعى قلب موازين الحرب لصالح غزة وحقوق الفلسطينيين. كان الرأى العام العالمى مغيباً طوال عقود مضت. سيطرت إسرائيل على الإعلام الغربى المسيطر بدوره على العالم. يمتلك اليهود المؤيدون لإسرائيل أكبر وسائل الإعلام العالمية، من صحف مؤثرة وقنوات فضائية وشركات علاقات عامة. ذلك جعل كلمة إسرائيل مصدقة. كان العرب يعلمون ذلك لكنهم لم يستطيعوا خلق إعلام يواجه الإعلام الصهيونى.

أمثلة بسيطة حدثت بعد حرب غزة لكنها مؤثرة للغاية. انتشرت الأعلام الفلسطينية فى ملاعب كرة القدم وشاهدها الملايين. ارتدى مشاهير من العالم الكوفية الفلسطينية التى صارت رمزاً للثورة والمقاومة. قطعت دول عديدة خاصة فى أمريكا اللاتينية علاقاتها مع إسرائيل، وانتشرت الأغنيات التى تساند الكفاح الفلسطينى. منعت دول أوروبية -منها بلجيكا- حفلات لمطربين وفرق مؤيدة لإسرائيل، ومنها حفل لفرقة ديستريد الأمريكية ومطربها درايمان اليهودى المناصر لإسرائيل، لأن المطرب وقع على قذيفة ذهبت لقتل أطفال غزة.

تأثرت الحكومات الأوروبية بثورة الرأى العام والمظاهرات التى اندلعت فى كبرى الميادين والمباريات والمناسبات الفنية. لقد علموا الآن كيف كانت إسرائيل تسيطر. حتى الرئيس الأمريكى ترامب قال: لا يمكننا أن نحارب العالم من أجل إسرائيل -حسبما نشر- أو: لا يمكن لإسرائيل أن تحارب العالم. أثبت الرأى العام أنه إرادة الشعوب لا إرادة الحكومات، لذلك انصاعت الحكومات واعترفت بفلسطين.

هذه الظاهرة صارت مؤثرة فى الزمن المعاصر، حيث أصبح الرأى العام أحد أقوى الأسلحة فى الحروب الحديثة. فى حرب فيتنام، لعبت الصور التى جاءت من هناك إلى وسائل الإعلام الأمريكية -كصورة الطفلة المحترقة بالنابالم- دوراً حاسماً فى انقلاب الرأى العام الأمريكى ضد الحرب، مما أجبر الإدارة على الانسحاب دون تحقيق أهدافها.

خلال ثورة التحرير فى الجزائر، انقسم الشارع الفرنسى بعد كشف الصحافة أساليب التعذيب والفظائع التى ترتكبها بلادهم هناك، فتعالت أصوات المثقفين وعلى رأسهم جان بول سارتر، حتى اضطرت فرنسا إلى الاعتراف باستقلال الجزائر. وفى جنوب أفريقيا، ساهمت حملات المقاطعة الشعبية فى إسقاط نظام الفصل العنصرى وإطلاق سراح نيلسون مانديلا. وخلال العدوان الثلاثى على مصر عام 1956، ساهمت الضغوط الشعبية والإعلامية العالمية فى انسحاب الدول المعتدية. كما دفعت صور المجازر فى البوسنة والهرسك المجتمع الدولى إلى التحرك وإنهاء الحرب.

هذه النماذج تؤكد أن الإعلام أصبح أداة تصوغ الواقع وتعيد تشكيله. فالصورة التى تبث فى لحظة يمكن أن تُحدث زلزالاً سياسياً، والتغريدة قد تسقط حكومة، والموقف الإنسانى قد يعيد صياغة التحالفات الدولية.

قال الصحفى والمفكر الأمريكى والتر ليبمان فى مطلع القرن العشرين: إن الناس لا يرون الواقع كما هو، بل كما تصوره لهم وسائل الإعلام. فالرأى العام لا يبنى على المعرفة المباشرة بالأحداث، بل على الصور الذهنية التى يصنعها الإعلام فى العقول. ومن يملك القدرة على تشكيل تلك الصور يملك القدرة على توجيه الوعى وصنع القرار السياسى. وقد نفذت إسرائيل نظرية ليبمان واستطاعت أن تسيطر على الرأى العام إلى أن انقلب السحر على الساحر فى حرب غزة.

حين ترفع الشعوب صوتها، تنصاع الحكومات، ويغير التاريخ مساره.