تحوُّل الموقف الأمريكي من الدعم المطلق لـ«تل أبيب» إلى راعٍ لخطة السلام
تحوُّل الموقف الأمريكي من الدعم المطلق لـ«تل أبيب» إلى راعٍ لخطة السلام
تكللت جهود الدبلوماسية المصرية بالنجاح بعد تحول كامل فى الموقف الأمريكى تجاه القضية الفلسطينية، منذ 7 أكتوبر 2023، حيث كان البيت الأبيض داعماً مطلقاً لإسرائيل خلال العامين الماضيين، فى حربها على قطاع غزة وخطتها لتهجير سكانها، حتى إنه استخدم الفيتو ضد مشاريع قرارات أممية لوقف الحرب وإدانة الانتهاكات الإسرائيلية فى القطاع، وهو الموقف الذى تغير كلياً ليصبح البيت الأبيض فى الفترة الأخيرة، ضاغطاً على إسرائيل لوقف الحرب، وضامناً لها، وساعياً للتهدئة والاستقرار وإقرار السلام فى الشرق الأوسط.
واستخدمت الولايات المتحدة الأمريكية حق النقض «الفيتو» 6 مرات فى مجلس الأمن بشأن وقف الحرب على قطاع غزة، وآخرها فى سبتمبر 2025، عندما استخدمته واشنطن، لإيقاف مشروع قرار مجلس الأمن الدولى بشأن الوقف الفورى وغير المشروط والدائم لإطلاق النار فى غزة، ورفع جميع القيود المفروضة على إيصال المساعدات إلى القطاع الفلسطينى، وحظى مشروع القرار بموافقة 14 من أصل 15 دولة أعضاء فى المجلس، بينما لجأت الولايات المتحدة إلى حق النقض مجدداً، ودعا مشروع القرار إلى رفع جميع القيود على دخول المساعدات الإنسانية ووقف إطلاق النار بشكل فورى ودائم وغير مشروط، إضافة إلى الإفراج عن الرهائن.
إيهاب نافع، مدير وحدة العلاقات الدولية بالمنتدى الاستراتيجى للفكر والحوار، قال إن مواقف الرئيس الأمريكى دونالد ترامب اتسمت منذ ولايته الأولى، بالدعم الكامل وغير المسبوق لإسرائيل ونتنياهو، بما يملك من سلطات فى البيت الأبيض كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية، حيث وافق على أمور من بينها نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وما يفوق سلطاته بإعلان الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان المحتل، وباستخدام نفوذه فى أمور منها إنشاء مبادرة الاتفاقات الإبراهيمية، التى ما زالت تمثل واحدة من المبادرات المستمرة التى يسعى حتى فى دورته الحالية للتوسع فيها، كما أعلن عن دعمه الكامل لإسرائيل ونتنياهو فى عهدته الحالية عبر تقديم الدعم غير المسبوق لدولة الاحتلال عبر تقديم الدعم المالى والعسكرى بالذخائر والقنابل الثقيلة، والأسلحة والدعم اللوجيستى والتقنى الواسع، وطرح سيناريوهات مرتبطة بالأزمة منها دعم التهجير القسرى لأهالى غزة تارة، والحديث عن تحويل غزة إلى ريفيرا الشرق تارة أخرى، فضلاً عن توجيهه الدعوة لثلاث مرات متتالية للرئيس السيسى لزيارة واشنطن ونيويورك، فضلاً عن فرضه حماية دبلوماسية ومظلة دولية فى مجلس الأمن وكافة مؤسسات الأمم المتحدة، وصلت إلى حد مهاجمته للدول التى اختصمت «نتنياهو» فى الجنائية الدولية، وتخطاها للطعن فى القضاة أنفسهم بشكل يفوق الخيال.
وأضاف «نافع» لـ«الوطن»: «مع إدراك مصر الكامل لطبيعة أبعاد الموقف الأمريكى، وموقف ترامب شخصياً كان التعامل مع الملف حساساً للغاية، فلا موافقة على أى طرح فيه تقاطع بين الثوابت المصرية ومساعى ترامب المباشرة لدعم إسرائيل، ولا توجيه بصدام يصل بالعلاقات إلى أزمة تؤثر على علاقة الرئيسين التى تحمل عمقاً كبيراً منذ ولاية ترامب الأولى، وطرقت القاهرة مسارات متوازية فى التعامل مع الأمر».
ربما كان من أنجح تلك المسارات، تحريك المجتمع الدولى لاستعادة دوره، من خلال دعوة الرئيس «ماكرون» لزيارة مصر، فى أعقاب زيارة «ترامب» للشرق الأوسط، التى خلت من ملف إنهاء الحرب الإسرائيلية على سبع جبهات مجتمعة فى الشرق الأوسط، فكانت زيارة الرئيس ماكرون نقطة مفصلية ومهمة إذ جرى خلال الزيارة توضيح الصورة كاملة، والوقوف على أبعادها الغائبة عن الموقف الفرنسى ومن ثم الموقف الأوروبى، فاصطحبه الرئيس السيسى فى زيارة تاريخية مهمة إلى العريش، استمع خلالها لشهادات ميدانية من مصابى من غزة فى مستشفى العريش، كما شاهد حجم الاستعدادات الإغاثية المصرية التى تمنع إسرائيل إدخالها إلى غزة مع تسليط الضوء على المجاعة فى داخل القطاع.
وتبع تلك الزيارة تحرك فاعل من قبل فرنسا أثّر على مجمل الموقف الأوروبى، إذ أعلنت عواصم أوروبية كبرى تعديل مواقفها من دعم مفتوح لإسرائيل إلى اعتراف بالدولة الفلسطينية، ومع صلابة المواقف الأوروبية التى فشلت كل مناوشات ترامب فى إثناء قادتها عنها، سيما فرنسا وبريطانيا، جاء مؤتمر حل الدولتين الذى ظهر فيه الرئيس الفرنسى قائداً مؤثراً وبقوة فى المجتمع الدولى بشكل استعادت معه أوروبا بعض نفوذها من جديد واستجابت لصوت الإنسانية، وفى أعقاب المؤتمر، دعا «ترامب» لاجتماع موسع وعلى عَجل لقادة الدول العربية والإسلامية لطرح خطته بشأن إيقاف الحرب، وتلقفتها القاهرة بقوة ومارست ضغوطاً على حماس للقبول بالموافقة على الخطة، مع طلب تعديلات طفيفة عليها، وهو الأمر الذى زادت من زخمه أيضاً حماقة «نتنياهو» وتوجيهه ضربة لقادة حماس بالدوحة خلال المفاوضات، وهو الأمر الذى وضع ترامب فى حرج من الأمير تميم ودولة قطر، وتبعه عدة إجراءات من بينها إجبار نتنياهو على الاعتذار لقطر، وطرح خطته الأكثر جدية لوقف الحرب، وفقاً لـ«مدير وحدة العلاقات الدولية بالمنتدى الاستراتيجى للفكر والحوار».
وتابع: «الرئيس ترامب بطبيعته شخصية استثنائية بكل المقاييس، فهو رجل يتوقع منه الشىء وضده دون أى استغراب، فهو المناصر بعنف لإسرائيل، ثم المتحمس بقوة أيضاً لوقف الحرب وفرض سلام جبرى على نتنياهو، فهو صاحب قرار، وفى نفس الوقت لديه طموح أن يصبح رئيساً عظيماً استثنائياً فى تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، وأن يحصل على جائزة نوبل للسلام، ويروج لكونه أوقف ثمانى حروب، وبالتالى جاءت المعالجة المصرية للتعامل مع شخصيته وكأنها اعتمدت على تحليلات نفسية لشخصيته والقرارات جرت وفق دراية بطبيعته، ثم إن ضربة إسرائيل للدوحة ربما أحدثت شرخاً فى إمكانية استضافتها للمفاوضات الأخيرة، وبدت كل الأجواء مهيأة لأن تستعيد مصر خيوط الأزمة جميعها بيدها من جديد، فكان اجتماع شرم الشيخ عقب إعلان حماس موافقتها بدعم مصرى قطرى تركى فصائلى على مقترح خطة ترامب، ثم الدعوة للرئيس ترامب لزيارة مصر لحضور مراسم التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار، ثم كان الحشد الدولى الكبير الذى داعبت به مصر تأكيد فكرة زعامة ترامب للعالم، لكن ذلك التجمع الدولى الذى تخطى حاجز الثلاثين دولة سيمثل ورقة ضغط مهمة استحضرتها القاهرة على ترامب من جهة، وعلى نتنياهو من جهة أخرى كضامنين لاستمرار تنفيذ الاتفاق».
واختتم «نافع»: «ما جرى مع ترامب من تغيير فى مواقفه من الدعم الكامل لنتنياهو ولإسرائيل، إلى تحقق الإرادة السياسية الكاملة لوقف الحرب فى غزة كان معركة دبلوماسية طويلة استمرت لعدة جولات، واستطاعت مصر (ترويض) الرئيس الأمريكى باستحضار الجانب الإيجابى فى مسألة وقف الحرب لشخص ترامب وتاريخه ومواقفه وللإنسانية، ويبقى التحدى الأكبر فى كيف يمكن استمراره على هذا الموقف دون تغير، تحدياً صعباً لكن ما تحقق كان أصعب بكثير».