جمال القصاص: انتقمت من العدو في «العبور» وأسرت مع كتيبتي 6 جنود إسرائيليين
جمال القصاص: انتقمت من العدو في «العبور» وأسرت مع كتيبتي 6 جنود إسرائيليين
أجرى الحوار: السيد العديسى .. تصوير - محمود صبرى
يُدرك منذ نشأته أن الشعر هبة من الله لأشخاص بعينهم، وعلى الشاعر أن يصون هذه المنحة الربانية فلا يُبددها فى الزعيق أو الخطابة، وهى أسمى من أن يجندها لتحقيق مكاسب وقتية أو الحصول على جائزة، لأن جائزة الشاعر هى فرادة مشروعه الخاص، ويؤمن أيضاً أن الشاعر هو ابن هذه الأرض فلا يجب أن يدخر جهداً فى محبتها ورفعة الوطن.
لذا بدأ جمال القصاص حياته مدافعا عن مصر، ليس فقط بالكلمة ولكن بالسلاح أيضاً، فانخرط فى الحرب، وكاد أن يلقى حتفه دفاعاً عنها، لكنه نهض من جديد ليكتب مع فرقته ملحمة تاريخية أثناء العبور.
■ كيف ترى الحاضر الثقافى والأدبى فى مصر الآن؟
- مصر كانت وستبقى دولة فاعلة ومؤثرة فى الساحتين الإقليمية والعالمية، وبرغم أننا نعانى من مشاكل اقتصادية واجتماعية، فإن المجتمع المصرى مجتمع فاعل على مختلف المستويات، وخاصة المستويات الثقافية والفنية، والحراك الثقافى الذى يتضمن أدواته الأدبية والثقافية.
وهناك حركة أدبية وتشكيلية تتسع يوماً بعد يوم، ولكن هذه الحركة يشوبها بعض المظاهر الموسمية، فهى أحياناً تبقى دعائية، وما يحدث هو مجرد حضور فى المشهد، لا يؤسس لشىء جديد، سواء على المستوى النقدى، أو على مستوى تطور النوع الأدبى، سواء فى الشعر أو فى القصة أو فى فن التشكيل.
أعرف أن هناك متابعة لكل هذه الأنشطة، لكنها ليست واعية فهى لا ترصد مَواطن القوة فى هذه الأنشطة، ولا تضع أمامها أساساً لطريقة الخروج من النمطية الكلاسيكية.
فمثلاً إذا تحدثنا عن الشخصية المصرية، فهى شخصية موجودة ومطروحة فى كل هذه الأنشطة، على المستويات والرموز والاستعارات الأدبية. الشخصية المصرية ليست نموذجاً واحداً جامداً، بل هى شخصية تفاعلية لديها قدرة على التفاعل مع محيطها ومع زمنها فى كل فترة تاريخية، تستطيع التعبير عن ذاتها، ولها تاريخها الخاص فى التعبير عن هويتها.
■ تقصد أن مواصفات هذه الشخصية هى التى حافظت على الهوية المصرية عبر الأجيال؟
الهوية المصرية ليست جامدة، بل تملك القدرة على التفاعل مع الآخر وتشكل مصفاة له. فالهوية المصرية تتأثر بالآخر، لكنها تؤثر فيه أيضاً، إذ تصفّيه من الشوائب والأمور السلبية، والآخر حين تنظر إليه، تجد نماذجه مختلفة: الآخر الصديق، الآخر الوافد، الآخر الغازى. لكن الشخصية المصرية هى التى تصفّى هذا الآخر، وتضعه فى موقعه الصحيح.
الشاعر الكبير: تعرضت للإصابة فى ساقى أثناء القفز بالمظلة قبل بدء الحرب
الآخر الذى يتأثر بالشخصية المصرية يظل منتمياً إليها رغم أن أصوله قد لا تكون مصرية. فهو يشعر بالانتماء لها، لدينا نماذج كثيرة لمشاهير ليسوا من أصول مصرية، لكنهم أصبحوا مصريين بالوجدان والانتماء. فمثلاً «نيللى» ليست من أصول مصرية، وكذلك فريد الأطرش، وأسمهان. لكن الشخصية المصرية احتضنتهم وصهرتهم فى بوتقتها، وخلصتهم من الشوائب، فصاروا جزءاً من الهوية المصرية.
وهذا ما يجعل الشخصية المصرية شخصية قوية وفاعلة، بل ومؤثرة. فهى إذا وجدت الآخر يشكل تهديداً لها، واجهته وهزمته، كما حدث مع الغزاة والمحتلين، ولديها قدرة أساسية على تصنيف هذا الآخر، والتعامل معه بالفعل وليس بالقوة، بالفعل الإيجابى.
■ بمناسبة الحديث عن المحتلين.. حدِّثنا عن حرب أكتوبر المجيدة ومشاركتك فيها!
أنا قضيت سبع سنوات فى الجيش من عام 1970 إلى عام 1977، والحرب لها إيقاع خاص، وإحساس خاص بالوجود، فهى مزيج من البطولة والخوف والحذر والشك.
دخلت الخدمة العسكرية وأنا «راسب ثانوى تجارى» وخرجت منها محققاً أحلامى الدراسية.. وفى الحرب الإنسان يواجه نفسه أولاً ثم يواجه الآخر
كنت وقتها شاباً فى العشرين من عمرى. التحقت بالجيش عام 1970، وكان من المفترض أن أدخل الكلية لكننى لم أكن بارعاً فى الحساب، فتركت الثانوية التجارية بعد أن فشلت فيها، والتحقت بالجيش. قضيت فترة طويلة هناك، وكنت فى سلاح القوات الخاصة.
فى الجيش سمحوا لنا أن نمتحن فى سنوات الدراسة، فرجعت إلى الامتحانات وقدمت لأمتحن فى ثلاث سنوات دفعة واحدة.
قضيت سنوات بالقوات الخاصة.. وبعد إصابتى انتقلت لفرقة مشاة زاملنى فيها علاء الحامولى كابتن الزمالك الشهير
أثناء خدمتى، كنت ضمن جنود الحراسة (الساعات) فى القوات الخاصة، وكنت أتمتع بلياقة بدنية عالية، لكن قبل الحرب بقليل أصبت بكسر فى رجلى أثناء قفزى بالمظلة فى تدريب ليلى بالصحراء، بسبب عاصفة شديدة أوقعت العديد من الجنود فى إصابات.. بعدها كادت تبتر قدمى لكنَّ طبيباً مصرياً بارعاً فى الجيش عالجنى، فمررت بمرحلة التأهيل، ولم يكن باستطاعتى أن أظل فى القوات الخاصة، فالتحقت بالفرقة السادسة مشاة، وأذكر أن من ضمن الضباط فيها كان المقدم علاء الحامولى كابتن نادى الزمالك الشهير.
الجميل أننى عشت التجربة كلها، الأجواء، التوتر، الاستعداد، والأمل الكبير الذى تحقق فى لحظة العبور فى أكتوبر.
أذكر أن الإسرائيليين فى بداية الحرب أصيبوا إصابة كبيرة، لأن الأمر كان مخططاً له جيداً، ثم بعد ذلك اقتحمنا مواقعهم، وأسرنا بعضهم.. أذكر أننى مع بعض الزملاء أسرنا ستة أفراد منهم.. وأحسست وقتها أننى استعدت حقى وكل حقوقنا منهم.
وأذكر أننى أثناء التحضير للحرب كنت أرسل قصائدى للنشر فى جريدة الجمهورية، وكان محسن الخياط يكتب أسفلها «جمال القصاص من على خط النار».
وما زلت أتذكر هذه الأجواء ويأخذنى الحنين إليها. كنت أمشى فى الصحراء، أشعر بإحساس خاص للطبيعة، للحركة. كنت أحب أن أسير فى الليالى القمرية مسافات كبيرة جداً فى الصحراء، بعيداً عن الدنيا.
كانت هناك حكايات كثيرة، وأصوات معينة فى هذه الصحراء، كأنها موسيقى فى الفراغ.
كما أنه فى وقت الحرب، وقت الخوف والهلع، كانت هناك أيضاً فرصة للتأمل، للتفكير العميق، حتى أحسست أن التأمل هو الإبداع.
فالمبدع حين يتأمل، ثم يكتب، يتحول التأمل إلى فعل كتابى. عندها يبحث عما وراء هذا التأمل، عما وراء العلاقات، حتى على مستوى الوجدان.
أيضاً فى علاقات الحب، هناك مساحات خفية، نمو داخلى. فالحب أساساً لغة إنسانية، لكن وراء هذه اللغة مساحة أخرى.
وهنا يأتى دور المبدع، فالمبدع أساساً لديه قدرة على التأمل، وعلى الرؤية بشكل مختلف.
باختصار، الحرب كانت تكشف حقيقة الإنسان فى ذاته. ففى الحرب، الإنسان يواجه نفسه أولاً، ثم يواجه الآخر. الحرب تجعل الإنسان أمام اختبار مباشر، لأنك حين تدخلها، يجب أن تواجه بشجاعة ومروءة ونُبل وفروسية. إنها تفتح لك أبواباً لم تكن تراها، وتكشف لك عن العالم.
الحرب لا ترضخ إلا لقوتها الداخلية، فهى تستمر لأنها تتكرر؛ لحظة خنق، ثم لحظة اشتعال. حينها تكتشف أنها الحاجة الوحيدة أمامك. ولذلك أقول: الحرب لا ترضخ إلا لقوتها، وهذا بالفعل صحيح، لأنها تعبّر عن مجسّم الفراغ، وعن معيشة مختلفة تماماً، فى سياق سياسى مختلف.
بالنسبة لك كجندى وكإنسان، فإن الحرب تجربة قاسية، أما على مستوى الوطن كفئة أو ككيان مثل مصر، فهى قانون صارم: إمّا انتصار عظيم، أو هزيمة ساحقة، أو موت.. لا خيارات أخرى.
أما الانتصار، فهو ثمرة خاصة، ليس مجرد ثمرة عابرة، الانتصار بمثابة شجرة يمكن أن تستظل تحتها، لأن الانتصار فعل جماعى لا يُنجزه فرد بمفرده. الحرب الشخصية شىء، وحرب الدول شىء آخر.
ومن أدب الحرب، ينبغى أن نُمعن النظر؛ لأن هناك نماذج قليلة بالفعل غاصت فى سيكولوجية الحرب بصدق، بعيداً عن الشكلية. أما أغلب الكتابات، فظلت سطحية أو درامية، لكنها لم تقترب بعمق من الحرب ككتابة خالصة.
■ معنى هذا أنك تتهم الأعمال التى تناولت الحرب بالتقصير؟
- أنا لا ألوم الدراما والسينما فقط، بل ألوم الكتابة نفسها. فالدراما قد تُطرب، لكن الصورة هى المؤثرة حقاً. السينما اعتمدت على أدب مكتوب، شعراً أو قصة، لكن قلة قليلة من الكُتّاب اقتربت من جوهر الحرب.
الدراما كثيراً ما أخفقت فى التعبير. ليس معقولاً أن ترى ممثلاً فى مشهد حرب وهو يرتدى ساعة تعبر عن وقتنا الحالى مثلا فتُربك المشهد! هذا يحدث، وقد شاهدنا أمثلة من ذلك، الحرب لا تحتاج إلى مظاهر، بل إلى صدق. والمشهد الحقيقى للحرب يحتاج إلى أن يُظهر الشخصية فى أقصى لحظاتها إنسانية وبساطة، لا فى زينة مُبالغ فيها.
مصر خاضت حروباً عظيمة، وانتصرت فيها، وأكدت شخصيتها المتينة. فبعد هزيمة 1967، جاءت حرب الاستنزاف لتُعيد الكرامة، ثم حرب أكتوبر 1973 التى كانت إعجازاً حقيقياً فى التاريخ العسكرى. هذه الحروب صنعت شخصية متجددة للأمة المصرية، شخصية بنت الحياة والتجربة، وليست مجرد نظرية أو فكرة مجردة.
وبالنسبة لى الحرب غيَّرتنى تماماً، وخلقت فى داخلى وعياً جديداً بالحياة والوطن، وأدركت أن التجربة الإنسانية فى الحرب لا يمكن التعبير عنها إلا بلغة جديدة تليق بوقعها وأثرها.
المشكلة حين يعبر الأدب عن تجربة الحرب أنه يلجأ أحياناً إلى لغة قديمة لا تناسب الواقع. فكيف يمكن أن تواجه الدبابة والصاروخ وتكتب عن الرمح والنبال؟ هذه لغة أخرى، لذلك فالأدب الذى يعبر عن الحرب يحتاج إلى لغة جديدة وأدوات خاصة.
لاحظت أن للحرب أفقاً وجودياً خاصاً. الأدب الذى يتناولها لا بد أن يختار لغته وأدواته من داخلها، لا أن يستعير أدوات قديمة. فلا يمكن مواجهة الدبابة والصاروخ بلغة السيف والرماح. حتى المفهوم التاريخى اختلف. فالانسحاب، مثلاً، أحياناً يكون ضرورة، كما حدث فى نكسة 1967. فقد خدم الانسحاب الجندى المصرى، لأنه لم يكن استسلاماً بل كان إعادة ترتيب للصفوف، تمهيداً لانتصار أكتوبر 1973.
■ كيف ترى تأثير القوى الناعمة من كتاب وفنانين ومثقفين الآن؟
- مفهوم «القوة الناعمة» ذو تأثير عميق فى الشعب المصرى. فهى تعنى الثقافة والفن والأدب، وكل عناصر التأثير الخلّاق. لكننى أرى أن المفهوم يحتاج إلى إعادة نظر. فاليوم، الحياة صارت صعبة، والمعارك الاقتصادية والثقافية تفرض أشكالاً جديدة من المقاومة.
الفن والأدب لا بد أن يكونا قوة دافعة، لا مجرد قوة ناعمة. نحن بحاجة إلى فعل صادم، لا إلى لغة مهادنة. المنتج الإبداعى الحقيقى لا يُدلّل المتلقى، بل يُصدمه ويوقظه، ليمنعه من أن يكون لقمة سائغة للتطرف أو الظلام.
الإبداع، إذن، هو مقاومة حقيقية لكل ما يخرب الحياة: مقاومة للتشدد الدينى أو الإنسانى أو السياسى. الإبداع هو سلاح مضاد للقبح، وسلاح ضد الصمم والعمى.
لكن من أين تأتى هذه المقاومة؟ تأتى من اللغة ذاتها. اللغة هنا سلاح صادم، وليست مجرد وسيلة مهدئة. لذلك، القوة الناعمة اليوم لم تعد كافية، بل نحتاج إلى قوة متفجرة ومتغيرة.
■ أنت أحد مؤسسى مجموعة «إضاءة 77» الشعرية، وبعض النقاد يتهمونكم مع مجموعة أصوات بالتسبب فى الهوة الكبيرة بين الشاعر والمتلقى.. فما تعليقك؟
- العملية الإبداعية لها ثلاثة أطراف: المبدع، والمنتج الإبداعى، والمتلقى. فى بدايات تجاربنا، وُجهت إلينا تهمة أننا لم نُراعِ المتلقى، وأننا بحثنا عن التغريب والغرابة واللغز. لكن الحقيقة أننا لم نهمل المتلقى، بل حاولنا أن نرتقى به عبر تجربة مختلفة. كانت تجربتنا جماعية وخاصة فى الوقت نفسه، وقد أثارت تفاعلاً واسعاً فى الندوات والمناقشات. نحن كنا نؤمن أن العملية الإبداعية كلٌّ متكامل: الشكل يفرز مضمونه، والمضمون يفرز شكله، فلا فصل بينهما.
لكن صدمة التغيير كانت ضرورية. مثلاً، لا يمكن فصل الأدب عن السياسة، لكن ليس كل شعار سياسى هو شعر. الشعار له مجاله، والشعر له منطقه الخاص. قد يكون الشعر سياسياً، لكن ليس كل شعار سياسى شعراً.
المبدع حين يكتب عن همومه الفردية أو الذاتية، فإن نصه يعكس فى الوقت نفسه صدى العالم من حوله. وهذا قد يظهر شكلاً مختلفاً من التعبير، وربما لا يتفاعل معه المتلقى مباشرة. لكن الشاعر الحقيقى لا يعطى المتلقى ما يريد سماعه فقط، بل يصدمه فنياً بما يفتح له أفقاً جديداً، ويغيّر ذاكرته وتوقعاته.
فى العالم كله، الإبداع فعل خاص، له جمهوره الخاص، حتى وإن كان جمهوراً صغيراً، إلا أنه يمثل نواة أصيلة للفن. الفن التشكيلى مثلاً أو الشعر الطليعى لا يهدف إلى إرضاء المتلقى العادى، بل إلى التعبير عن ذات المبدع.
إذن المبدع يكتب ليعبر عن نفسه، وليس ليضع المتلقى أمامه وهو يكتب، إلا فى حالات خاصة كالمسرح أو الدراما. وهذه النقطة جوهرية.
■ نعود إلى تجربة «إضاءة 77». أظنها كانت بالتزامن أو بعد تأسيس جماعة «أصوات» حدِّثنى أكثر عن التجربتين!!
- بعد تأسيس «أصوات» لم نكن نود الدخول فى صدام مباشر معهم، لكن كانت هناك مشاريع متوازية. فأسسنا جماعة «إضاءة 77»: أنا، وزين العابدين فؤاد، وأحمد طه، وحلمى سالم، ورفعت سلام، وحسن طلب. ثم انضم إليها آخرون فيما بعد.
كانت فترة عصيبة بعد 1968، وبعد النكسة تحديداً. مصر كانت تعيش أزمة سياسية خانقة. الإبداع فى تلك المرحلة كان متأثراً بالمناخ العام. الحرب، والهزيمة، والانكسارات السياسية كلها انعكست على الشعر والفن. وكان الشعراء بحاجة إلى رؤية جديدة.
فكان ذلك بمثابة إنقاذ للشعر المصرى فى لحظة حساسة، وتشكلت ظاهرة شعرية جديدة فى الوطن العربى. غيّروا مسار الكتابة. لكن كانت هناك ملاحظات أننا لم نجتمع على أرضية مشتركة واضحة، وأن الخلافات الداخلية كانت قائمة. ومع ذلك، فجوهر التجربة كان مهماً.
■ طرحتم مفهوماً جمالياً جديداً فى الكتابة، نصاً شعرياً يتأسس على اللغة والعناصر والخيال والتراث، وهذا ما ميزكم عن غيركم، فهل كنتم تعتبرون أنفسكم جيلاً بلا أساتذة؟
- جدلية العلاقة بين الأجيال ستظل مستمرة والخلافات كانت قائمة، لكن التراكم مستمر.
كان شعراء الستينات متكاتفين رغم خلافاتهم، يدافعون عن بعضهم أمام النقد الخارجى. أما السبعينات فقد انفتحوا على أشكال جديدة من التعبير، لكنهم ظلوا امتداداً لذلك التيار.
إذن، السبعينات مثلت مرحلة مختلفة، لكنها كانت امتداداً لما سبقها، وفى الوقت ذاته محاولة لتأسيس صوت شعرى جديد.
وبالنسبة لى، فإننى أحببت صلاح عبدالصبور بصدق وتأثرت به كثيراً، وأرى أن دوره فى التحديث أهم من أدونيس، لأن شعره يرتبط بالإنسان، بالبشر، وبالأرض. أما شعر أدونيس، فهو يرتبط بالفكر المجرد، بالمفاهيم النظرية، بالسقف العالى للأفكار.
أنا أفهم الثابت والمتحوِّل كمفاهيم فكرية، والحياة مليئة بهما. هذا هو جوهر عمل صلاح عبدالصبور: صدق التجربة، المعاناة، العمق الإنسانى. قصائده تنبع من قلب الواقع، ولهذا كان تأثيره قوياً وعميقاً. شعره درامى فى جوهره، دراما إنسانية حقيقية، فيها صراع وتوتر وتعبير عن الذات فى مواجهة المجتمع والسياسة.
عندما تكتب أغنية، فإنك تأخذ بعض عناصرها من الشعر. الفكرة الكاملة فى الشعر مفتوحة، وهذا ما يجعله أقرب إلى فن التأويل. لا يمكن الوصول إلى قراءة نهائية للنص الشعرى، تماماً كما لا يمكن الإمساك بتأويل واحد للنص المسرحى. النص الشعرى الحقيقى مفتوح على تأويلات متعددة، وكل قراءة تكشف وجهاً جديداً منه.
أنا أكتب الشعر، ومع ذلك لا أستطيع دائماً أن أحدد المعنى النهائى لما كتبته. أحياناً لا أكتشف المعنى إلا بعد مرور وقت طويل. على سبيل المثال، كتبت قصيدة بعنوان «الوحش حيوان»، وأعجبتنى التركيبة حينها، لكننى لم أكن أعلم تماماً ما وراءها. بعد سنوات، زرت معرضاً للفنان عبدالهادى الجزار، ولاحظت أنه كان يعرض لوحات يتعامل فيها مع الحيوانات بطريقة «أنسنة» - أى يمنحها صفات بشرية. حينها أدركت أن قصيدتى كانت تعكس شيئاً قريباً من هذه الرؤية دون أن أعيه وقت الكتابة.
المنتج الإبداعى الحقيقى لا يُدلّل المتلقى بل يصدمه ويوقظه ليمنعه من أن يكون لقمة سائغة للتطرف
هذا عنصر مهم فى الإبداع: عنصر المفاجأة. يجب أن يمتلك الشاعر حساً تنبؤياً، ليس فقط وعياً بما هو قائم، بل وعياً بما قد يكون. الرؤية الإبداعية الحقيقية لا تكتفى بوصف العالم كما هو، بل تسعى لتصويره كما ينبغى أن يكون.
■ قلتَ فى بداية حديثنا إنك التحقت بالثانوى أثناء وجودك فى الجيش، وماذا حدث بعد ذلك فيما يتعلق بمستقبلك الدراسى؟
- أنا حصلت على الثانوية العامة قبل الحرب، وكنت قد حققت فى السنة الأولى ما يقارب 70%، ثم بعد الحرب ارتفعت النسبة إلى 80%، ثم 95%. كان بإمكانى دخول كلية قمة، لكننى اخترت أن أدرس الفلسفة.
دخلت قسم الفلسفة فى كلية الآداب، رغم أننى كنت أفكر فى دراسة الصحافة. لم أستطع فى البداية الالتحاق بها، لكنى درست الفلسفة وضحيت بسنة كاملة من عمرى لأجلها، درست الفلسفة ونجحت فيها، لكنها لم تكن شغفى الأكبر.
أما علاقتى بالصحافة، فقد بدأت حين بدأت أكتب فى الصحف. كنت أكتب مقالات وأعمالاً صحفية، وكنت ألتقى بكبار الكُتّاب مثل محمد مستجاب، الذى كان يعمل فى صحيفة «الشرق الأوسط»، وكان يقول لى دائماً: «الكتابة تحتاج إلى تمرين دائم».
عملت فى الصحافة لسنوات طويلة. الصحافة مهنة مرهقة، بل إنها تستنزف الكاتب. فهى تجبره على القراءة والكتابة بشكل يومى. العمل فى قسم «الديسك» الصحفى تحديداً مرهق جداً. كنت أتمنى العمل فى التحرير الميدانى أكثر من الجلوس خلف المكتب، لأن التحرير فيه مساحة للإبداع.
■ مصر مرت بفترات مختلفة، بعد حرب أكتوبر كان منها فترة الإخوان، كيف رأيت تلك الفترة؟
- الإخوان اختطفوا الثورة، ورغم أنهم أمسكوا الحكم لمدة عام لكن التنظيم نفسه لم يكن مخلصاً ولا وفياً لمصالح مصر العليا، بل كان يسعى لأهداف أخرى، ويمارس الحكم بمنهج مشكوك فى شرعيته. فمرسى لم يكن الناجح فى الانتخابات بقدر ما كانت هناك ضغوط دولية لعبت دوراً فى وصوله، وضغوط من دول كبرى لها نفوذ.
الإخوان المسلمون لم يكونوا صادقين مع مصر، بل استغلوا الدولة لمصالح أيديولوجيتهم الخاصة. قدّموا بعض الخدمات، لكنها كانت موجهة لخدمة تنظيمهم، وليست لخدمة مصر. التنظيم أيديولوجى بطبعه، لا يعترف بالمصرية، ويهدف إلى إضعاف مصر حتى يتمكن من حكمها والسيطرة عليها. لكنهم، حتى وإن حاولوا، لم يستطيعوا لأنهم لم يملكوا الانتماء الحقيقى، بل كانت نياتهم مبيتة ومؤامراتهم واضحة.
تنظيم الإخوان كان هدفه إضعاف مصر حتى يتمكن من السيطرة عليها.. و«الجماعة» هى صانعة الإرهاب فى العالم
أسأل نفسى: ما معنى الإخوان؟ هل هم تنظيم دينى أم فاشية دينية؟ هل الدين يقول بهدم المساجد والكنائس؟! بينما هم اعتدوا على الكنائس، مع أن مصر بلد فيه المسجد والكنيسة والمعبد، وكلها موجودة منذ القدم. القرآن الكريم يقول: «لا إكراه فى الدين». لكنهم كانوا يريدون فرض أيديولوجيا دينية بالقوة، ومن هنا رأيت أن هذه التنظيمات لا تمثل مصر ولا مصلحتها، بل تعمل على إضعافها من الداخل والخارج، مستغلة شعارات دينية.
مصر دولة عريقة وعميقة، لها تراث حضارى، علمت العالم منذ القدم. المصريون علموا البشرية فن النحت، ولذلك كان للنحت فى مصر خصوصيته. صحيح أن هناك من قال بتحريمه، لكن المصريين ظلوا قادرين على الإبداع فيه. المصريون يمتلكون خبرة تاريخية كبيرة، وهذه الخبرة ممتدة عبر العصور، وليست وليدة اليوم.
من صنع الإرهاب فى العالم؟ ليس فى مصر فقط، بل فى كل العالم؟! إنهم الإخوان المسلمون وتنظيماتهم، فهم الذين صنعوا الإرهاب باسم الدين، وانتشروا فى دول مثل لندن وألمانيا وغيرهما. ولا يزال لهم خطورة فى مصر، خصوصاً على عقول الشباب، لأنهم يستخدمون سلاح الدين والعاطفة الدينية، بينما الدين الإسلامى فى جوهره بسيط، لا يحتاج إلى وصاية.
المصرى بطبيعته متدين، وفهمه الشعبى للدين أعمق وأبسط من الفقهاء، لأنه يعيش التدين فى حياته اليومية. الشعب لديه «فقه شعبى»، وهذا الفقه أكثر تأثيراً وانتشاراً من خطب الشيوخ.