محمود الجارحي يكتب: طفل الإسماعيلية والمنشار.. لعبة قتلت البراءة وأبكت مدينة كاملة

كتب: editor

محمود الجارحي يكتب: طفل الإسماعيلية والمنشار.. لعبة قتلت البراءة وأبكت مدينة كاملة

محمود الجارحي يكتب: طفل الإسماعيلية والمنشار.. لعبة قتلت البراءة وأبكت مدينة كاملة

في المشاهد الأولى من الجريمة.. كان كل شيء ساكنًا على غير العادة في تلك الغرفة الضيقة داخل البيت القديم بحي المحطة الجديدة بالإسماعيلية.. الغرفة أشبه بصندوقٍ من الغبار والرطوبة.. جدرانها تآكلت بفعل الزمن.. والطلاء المقشور.. على الأرض قطع خشبٍ مكسورة.. وزجاج نافذةٍ محطّم يترك خيطًا من الضوء يتسلل إلى الداخل.. كأنه شاهدٌ على ما سيحدث بعد لحظات.. في منتصف الغرفة وقف الطفلان.. «محمد» بعينيه الصافيتين البريئتين.. أما «يوسف»، فوجهه متجهم، عروقه مشدودة.. وصدره يعلو ويهبط بسرعة.. يحمل العصا الخشبية التي كانت قبل دقائق جزءًا من أثاثٍ متهالك.. لتتحول الآن إلى أداة موت. نظرةٌ قصيرة تبادلاها.. ثم ضربةٌ مباغتة اخترقت الصمت، تبعتها شهقة مكتومة.. وارتطام جسدٍ صغير بالأرض.

سقط «محمد» على بلاطٍ بارد، والدم بدأ يتسلل ببطءٍ على الأرضية، يرسم خطوطًا حمراء تشبه خيوط لعبةٍ انقلبت إلى مأساة. وقف «يوسف» مذهولًا للحظة، كأن عقله لا يصدق ما اقترفته يداه. اقترب من الجسد الصغير المرتجف، ثم جلس إلى جواره في صمتٍ ثقيل، أنفاسه تتلاحق، ويداه ترتعشان.. مرت دقائق كأنها دهور.. عيناه تدوران في الغرفة باحثتين عن مخرج.. ثم امتدت يداه إلى المنشار الصغير الملقى في زاوية الغرفة — أداة لينتقل المشهد من لحظة صدمة إلى لحظة قسوةٍ لا تحتمل.. أصوات الاحتكاك المعدني بالجسد ملأت المكان.. امتزجت برائحة الحديد والدم.. بينما الضوء الباهت
على الجدران كأن الغرفة نفسها ترتجف.. هكذا سجلت جهات التحقيقات تمثيل الجريمة بالصوت والصورة للطفل المتهم، ما حدث داخل مسرح الجريمة، أثناء تمثيل المتهم لجريمته.

بعد ساعات من الصمت والارتباك.. خرج «يوسف» من البيت يحمل كيسًا أسود يخبئ فيه ما تبقى من زميله وصديقه.. خطواته كانت متقطعة.. وصدره يعلو وينخفض مع كل نفسٍ كأنه يجرّ جبلًا من الذنب.. سار بين الأزقة المظلمة حتى وصل إلى المنطقة الخلفية قرب «كارفور الإسماعيلية».. حيث ألقى الكيس بين الركام والماء الراكد.. ووقف لحظة ينظر حوله.. كأنه ينتظر أن يصحو من كابوسه. لكن الكابوس لم ينتهِ.. جاء ذلك عقب استكمال المتهم للمحاكاة التى أجرتها النيابة العامة للواقعة أثناء تمثيل المتهم للجريمة.

في الصباح التالي.. انطلقت صرخات الأهالي بعدما التقط أحدهم رائحة غريبة.. وسرعان ما أمتلات المنطقة برجال الشرطة.. وأنين الأمهات.. كانت الأشلاء مبعثرة.. قطعة من قميص أزرق ملوث بالدم.. فردة حذاء صغيرة.. وبقايا جسدٍ لا ملامح له.. المشهد أبكى العيون.. حتى الضباط وقفوا للحظةٍ صامتين.. كأنهم يودّون لو لم يروا ما أمامهم.. ذلك البيت المهجور تحوّل إلى شاهدٍ على مأساةٍ تتجاوز الفعل نفسه — مأساة فقدان البراءة في لحظةٍ واحدة.. حين تحوّل اللعب إلى موت، والطفولة إلى لعنةٍ لا يقدر قلبٌ على احتمالها.

كانت لحظة القبض على «يوسف» أشبه بمشهدٍ رماديٍّ لا يشبه النهايات ولا البدايات.. طفلٌ في الثالثة عشرة من عمره يجلس على الأرض.. ملابسه متسخة بالتراب.. وجهه شاحب كأن الدم فارقه منذ زمن.. عيناه زائغتان تبحثان في وجوه الضباط عن شيءٍ يشبه الرحمة أو الفهم.. لم يقاوم.. لم يتكلم كثيرًا.. فقط همس بصوتٍ مبحوح:«هو مات؟».. اقترب منه أحد الضباط في هدوء.. وضع يده على كتفه وقال له: «احنا عايزين نعرف اللي حصل».. عندها بدأ الطفل ينهار.. يخبئ وجهه بين كفيه.. ودموعه تختلط بأنفاسٍ مرتجفة لا تكتمل.. لم يكن في صوته قسوة قاتل.. بل خوف طفلٍ ضلّ طريقه في عتمةٍ صنعها بيده. في مقر قسم الشرطة.. جلس «يوسف» أمام الضباط.. رأسه مطأطأ.. ينظر إلى الأرض كأنه يخاف من نظرات الناس أكثر من خوفه من العقاب.. سُئل عن سبب ما فعل.. فهز رأسه ببطء وقال:
«هو اتخانق معايا.. كنت بلعب لعبة فيها القتل.. حسّيت إني أقدر أعمل زي اللي في اللعبة… وبعدها ما فهمتش أنا بعمل إيه».. التفاصيل حكها الطفل كاملة للمباحث ومثلها أمام النيابة العامة، التى سجلتها بالصوت والصورة، وقررت حبسه على ذمة التحقيقات.

جريمة الإسماعيلية جريمة الإسماعيلية جريمة الإسماعيلية جريمة الإسماعيلية جريمة الإسماعيلية جريمة الإسماعيلية جريمة الإسماعيلية جريمة الإسماعيلية جريمة الإسماعيلية جريمة الإسماعيلية جريمة الإسماعيلية جريمة الإسماعيلية جريمة الإسماعيلية