شهادات حية عن أوضاع الأسرى في سجون إسرائيل الحلقة (1).. مهندس عملية الهروب من سجن «جلبوع»: كسرنا منظومة الاحتلال الأشد حراسة بـ«ملعقة»

كتب: رؤى ممدوح

شهادات حية عن أوضاع الأسرى في سجون إسرائيل الحلقة (1).. مهندس عملية الهروب من سجن «جلبوع»: كسرنا منظومة الاحتلال الأشد حراسة بـ«ملعقة»

شهادات حية عن أوضاع الأسرى في سجون إسرائيل الحلقة (1).. مهندس عملية الهروب من سجن «جلبوع»: كسرنا منظومة الاحتلال الأشد حراسة بـ«ملعقة»

مع الساعات الأولى لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة خلال شهر أكتوبر 2025، خرج إلى النور عشرات الأسرى الفلسطينيين محرَّرين من سجون الاحتلال الإسرائيلي، حاملين معهم شهادات حيّة عن واقع قاسي ظلّ خلف الجدران المغلقة، في هذه السلسلة من الحوارات التي تمتد إلى عشر حلقات، نفتح مساحة للصوت الذي طال إسكاته، ونسجل ونستمع إلى روايات مباشرة لأسرى عايشوا تفاصيل القمع اليومي، وأساليب العقاب، والحرمان المنهجي من أبسط الحقوق الإنسانية داخل السجون الإسرائيلية.. لنوثق في أولى الحلقات شهادة الأسير المحرر محمود العارضة والذي أمضى 33 عاماً داخل معتقلات الاحتلال.

فى صباح هادئ من أكتوبر 2025، جلس الأسير الفلسطينى المحرر والمبعد إلى مصر محمود العارضة، الذى تنحدر أصوله من بلدة عرابة بمحافظة جنين بالضفة الغربية، يتأمل السماء طويلاً كما لو أنه يراها لأول مرة، كانت الشمس أمامه قريبة على غير عادتها، والهواء الذى يملأ صدره له طعم مختلف لا يشبه شيئاً عاشه طوال أكثر من 3 عقود قضاها خلف قضبان سجون الاحتلال الإسرائيلى.

يبتسم «العارضة»، 50 عاماً، وهو العقل المدبر للهروب من سجن «جلبوع» شديد الحراسة، والتى وصفت بأنها أشهر عملية هروب فى تاريخ السجون الإسرائيلية، ويقول بصوت خافت، بعد خروجه من السجن فى صفقة الأسرى الأخيرة: «كل يوم أخرج من غرفتى وأتحسس الشجر وأشم الهواء، أتأمل ملامح الناس وأتحدث إلى الأطفال، وأحرص أن تلمس يدى كل شىء لأصدق أنى أصبحت حراً».. وإلى نص الحوار:

الأسرى

أجرت الحوار: رؤى ممدوح

تصوير - محمد ليل

■ بعد 33 عاماً فى الأسر.. كيف تصف إحساسك الأول بالحرية؟

- شعورى بعد خروجى من السجن لا أستطيع وصفه بالكلمات، أول ما استنشقت هواء الحرية شعرت بأن روحى عادت لى، كنت أمشى وأتلفت حولى لأتأكد أننى بالفعل خارج السجن وأنه ليس مجرد حلم.

لمست التراب والشجر، حتى مذاق الطعام كان غريباً، أول مرة أكلت كيك بعد خروجى لم أتعرف عليه وكأن لسانى يتذوق لأول مرة، كل شىء كان جديداً، الأطفال، الشوارع، الهواتف، جلست 7 ساعات أحاول أتعلم كيف أتصل بأهلى فى جنين ولم أستطع، لأول مرة أقبّل أطفالاً حينما أحتضن أبناء شقيقتى، حتى هذا الشعور غريب جداً، أنا كالطفل الذى ولد من جديد، وأول شىء كنت أحلم بتحقيقه احتضان والدتى، وأسأل الله أن يحدث هذا قريباً.

■ دعنا نعد للبداية.. بدأت تجربتك مع السجن وأنت طفل. حدثنا عن ذلك.

- أمضيت 33 عاماً فى الأسر، اعتقلت للمرة الأولى حينما أنهيت دراستى فى الصف العاشر، وكان عمرى حينها 12 عاماً، وكان ذلك خلال انتفاضة الحجارة الأولى، وشاركت فيها بإلقاء الحجارة على قوات الاحتلال، بالإضافة إلى فعاليات كثيرة منها استهدافات لدوريات الجيش بالقنابل اليدوية والمولوتوف، وتم الحكم علىّ حينها بالسجن 4 سنوات لصغر سنى.

وبعد خروجى شعرت أنهم سرقوا طفولتى فلم تتوقف مقاومتى وتم اعتقالى للمرة الثانية وأنا ابن 17 عاماً، إذ جرى اعتقالى فى نهايات أغسطس عام 1992، وجرى الإفراج عنى فى صفقة تابعة للسلطة الفلسطينية كانت معروفة بـ«إفراجات الانتخابات»، خرجت فى شهر يناير 1996 ومكثت حراً نحو 8 أشهر فقط.

■ وهل توقفت مسيرتك فى مقاومة المحتل الإسرائيلى؟

- فى سبتمبر من العام ذاته أُعدت مرة أخرى إلى سجون الاحتلال الإسرائيلى، وتم الحكم علىّ بالسجن المؤبد، بالإضافة إلى 10 سنوات، وهنا لا بد أن أشير إلى أن الحكم المؤبد فى إسرائيل مدته 99 عاماً، وأُصدر هذا الحكم بحقى بسبب مقاومتى المستمرة للاحتلال، حيث كانت آخر عملية قمت بها أنى قتلت ضابط شرطة ومستوطناً فى مدينة سلفيت بالضفة الغربية، وكانت من أصعب العمليات التى قمت بها، لأن الضابط وزوجته اللذين كانا فى السيارة كانا مسلحين برفقة طفلهما. وكنت أخشى أن أؤذى الطفل، ولكن بفضل الله تمكنت من قتل الضابط وأصيبت زوجته ولم يصب الطفل بأذى الحمد لله، وبقيت فى السجن منذ ذلك التوقيت، وقضيت سنتين فى العزل الانفرادى، وخرجت بعدها بعد إضراب الشيخ خضر عدنان، الذى استشهد أثناء إضرابه، بالإضافة إلى إضراب الأسرى الذى استمر 27 يوماً، وأجبرنا حينها السجانين على تحسين أوضاعنا.

■ قضيت فترات في العزل الانفرادي.. كيف واجهت العزلة؟

- كنت أستغل وقتى فى القراءة والكتابة ومشاهدة التليفزيون وسماع الراديو كل ما أتيحت لى الفرصة، ولكن القراءة والمتابعة كانت أكثر ما أهتم به، وألفت حينها رواية بعنوان «من شلّح من»، وهى تحكى بأسلوب ساخر عن الأخطاء والخلافات بين الفلسطينيين خلال سنوات الصراع مع العدو، وكيفية معالجتها وتجاوزها، ولكن للأسف تمت مصادرتها من قبل إدارة السجون، والعزل هو موت بطىء، غرف صغيرة جداً لا ترى الشمس ولا تسمع صوت إنسان، فقط الأرض والسقف. كما كان يتم حرماننا من زيارات الأهل والتنكيل بنا وحرماننا من متعلقاتنا الشخصية، وخلال سنوات أسرى تنقلت بين عشرات السجون.

■ أنت العقل المدبر لعملية الهروب من سجن جلبوع.. متى وُلدت الفكرة؟

- فكرة حفر نفق والدخول إليه لم تكن وليدة اللحظة، فمنذ طفولتى أحب اللعب فى الجبال والدخول إلى الكهوف والجحور والأماكن الضيقة كون بلدتى ذات طبيعة جبلية، وأعتقد أنه من هنا جاءت الفكرة بعدما تم أسرى، وأول مرة حاولت الهرب كانت عام 2013 فى سجن «شطة»، حيث حفرت رفقة عدد من الأسرى نفقاً استمر العمل فيه 16 شهراً، لكن السجانين اكتشفوه قبل اكتماله، وتمت معاقبتنا ونقلنا من السجن، وفى عام 2016 تم إيداعى فى سجن جلبوع شديد الحراسة، وبعد خمس سنوات بدأ التنفيذ الفعلى لعملية الهروب، ومكثت أسابيع فى البحث عن نقطة ضعف فى الزنزانة، حتى اكتشفت بلاطة فى أرض الحمّام كانت أضعف من البقية، فكونت فريقاً وكنا 10 أسرى بدأنا الحفر منها، واستخدمنا الملعقة كأداة أساسية، فمعلقة أكل عادية أصبحت مفتاح الحرية، وحفرنا 267 يوماً متواصلة، أى قرابة 9 أشهر.

■ وكيف استطعتم خداع السجانين وإنجاز هذه العملية بتلك الدقة؟

- كنا نعمل فريقين، فريق للحفر وآخر للمراقبة، وأبرز أعضاء الفريق هم قصى مرعى وعلى أبوبكر ومحمد أبوبكر ومحمود شريم، ولكن لم يتمكنوا من الهرب معنا، وكنا نعمل على مدار 3 ورديات، وردية قبل الظهر والثانية بعد الظهر وأخرى فى الليل، وأخطر لحظة فى هذه العملية ولن أنساها ما حييت هى عندما دخل السجانون الزنزانة بشكل مفاجئ وكنت أنا وصديقى فى النفق فخرجت وأغلقته عليه والإدارة أخطات فى عدد الأسرى ونجونا بفضل الله وكنا فى ليلة 25 رمضان ولم ينكشف أمرنا.

■ كيف كان شعورك حين خرجت من النفق واستنشقت نسيم الحرية. وكيف جرى التعامل معك بعد القبض عليك؟

- كأننى ولدت من جديد، أول نفس حر هو أغلى لحظة فى حياتى، شعرت أنى خرجت من القبر، كنت أمشى على الأرض ولا أصدق نفسى، استنشقت هواء فلسطين التى أعطيتها طفولتى وشبابى وحياتى.

والحقيقة كنا متيقنين بأنهم سيلحقون بنا، ولكن نعزى أنفسنا ونقول لو نعيش 5 ساعات خارج أسوارهم فهذا يستحق المغامرة الخطيرة، وكان من المفترض أن نهرب ليلة 7 سبتمبر ولكن السجانين اكتشفوا كومة من التراب، فقررنا الهروب يوم 6 قبل أن يكتشفوا النفق، وكنت مستعداً أن أهرب مرة أخرى من أجل أن أشم هواء البلاد وأرى السماء دون أسلاك أو حديد.

وبعد إعادة اعتقالى كان من المتوقع أن الاحتلال سينتقم بأبشع الطرق وصلت إلى حرمانى من الملاعق أربع سنوات كاملة، حتى لا أحفر نفقاً آخر، ومنعوا الزيارات، وشددوا الإجراءات، لكن لم يكسروا روحنا، حتى وهم يعاقبوننا كنت أبتسم، لأنهم يعرفون أننا كسرنا منظومتهم الأمنية الأشد حراسة، واستغللت هذا التنكيل والتضييق فى توثيق تجربة الهروب، وكتبت رواية من 1000 صفحة استغرقت عامين بعنوان «الهروب من نفق جلبوع» وهى لم تنشر بعد.

■ ما أقسى لحظة مرت عليك خلال 33 عاماً من الأسر؟

- أصعب لحظة كانت وفاة والدى وأنا فى السجن، ما استطعت توديعه، كنت أريد فقط أن أطبع قبلة الوداع على جبينه وألقى عليه النظرة الأخيرة، دائماً كنت أتخيله وهو يزورنى وكنت أستمد منه القوة، وطبعاً لا يمكن أن أنسى الشعور السيئ جداً الذى انتابنى بعد علمى بخبر استشهاد الأخت الصحفية شيرين أبوعاقلة، كان الأمر له أثر كبير جداً على نفسيتى، لأن شيرين هى صوت فلسطين، هى نصنا المكتوب وتمالكت نفسى بصعوبة من البكاء أمام الجلاد حتى لا يعتقد أنه قهرنى، ولكنى بكيتها عندما عدت إلى زنزانتى.

■ كلمة تريد أن توجهها إلى أهالى غزة بعد كل ما قدموا من تضحيات؟

- لا يوجد ما نكافئكم به أمام تضحياتكم الكبيرة، يقف الكلام عاجزاً عما قدمتموه لفلسطين وللأسرى، وغزة بالنسبة لى ليست مجرد اسم مدينة على خريطة أراضينا المحتلة، هى جسم ينبض بالآلام والبطولات، فعندما أسمع عن غزة لا أفكر فقط فى المبانى المدمرة أو الأرقام والإحصاءات، بل أفكر فى الأم التى فقدت زوجها وأطفالها، أحياناً أقول لنفسى إن لغة الكلام لا يمكن أن تعبر عن ما أريد قوله من فخر ومواساة لشعب غزة العظيم، قبل الإفراج عنى كنت أسمع من بعض الجنود أن الخراب والدمار والقتل فى غزة ليس له مثيل، والتاريخ سيكتبها فصلاً عن صمود إنسانى عظيم أدهش العالم.

الأسرى

الأسرى

مصر البيت الكبير الذى يجمعنا

مصر بالنسبة لى ليست دولة مضيفة، فهي وطني الثاني والبيت الكبير الذي يجمعنا، كنت دائماً أحلم بزيارتها ولم أكن أتخيل أن أخرج من السجن لتصبح حريتي هنا، فأنا لست مبعداً، أنا هنا بين أهلي وأحبابي، مصر هي قلب الأمة وهى عمقنا التاريخى، ونحن لا شىء بدونها، ونهضتنا التاريخية والإنسانية لن تكون بدونها، ووجودى هنا يشعرنى بالطمأنينة، فهي ملجئى بعد عقود من القهر، ومصر لها تاريخ طويل فى دعم قضيتنا، سياسياً وإنسانياً، والذى رأيته من الناس هنا جعلنى أصدق أن الروابط بيننا ليست شعارات، ولكنها حقيقة متجذرة.