صرخة من الكيس الأسود.. حكاية طفل الإسماعيلية
صرخة من الكيس الأسود.. حكاية طفل الإسماعيلية
سيدي المحقق.. السادة المتابعون لقضية طفل الإسماعيلية والمنشار.. اسمحوا لي أن أتكلم.. ولو للحظة واحدة.. أنا «محمد»، من حي المحطة الجديدة في الإسماعيلية.. نعم.. أنا هو الطفل الذي وجدوه داخل الكيس الأسود.
سيدي المحقق.. أحدثكم الآن من مكانٍ لا يوجد فيه خوف ولا ألم..
من عالمٍ فيه سلام وعدل ورحمة.. أنا لم أعد بينكم.. لكن وجعي ما زال حيًا في قلوب كثيرة.
سيدي.. في صباح يوم الأربعاء اللى فات.. كنت عند صديقي «يوسف».. صديقي الذي كنت أعتبره أخًا لي.
كنا نلعب معًا كما اعتدنا دائمًا.. ضحكنا قليلًا.. وتحدثنا كثيرًا.. كنت بحكيله عن أحلامي الصغيرة.. عن نفسي لما أكبر أكون لاعب كرة أو ضابط.. كنت بضحك وهو ساكت.. ما كنتش أعرف إن الصمت اللي جواه كان بداية النهاية ليّا.
سيدي.. الغرفة كانت ضيقة، والجو خانق.. وفجأة.. شُفت في إيده عصا خشب، بيضرب بيها الأرض بعصبية..
ضحكت بخوف وقلت له: «مالك يا يوسف؟ في إيه؟».. لكن ما ردش..
العصا ارتفعت.. ونزلت على جسمي الصغير.. وقعت على الأرض.. ووشي كان بيشوف التراب لأول مرة من قريب جدًا.. وبعدها سمعت الصوت اللي عمر ما قلبي هينساه.. صوت المنشار الصغير.. وهو بيشق وبيقطع في جسمي.. حاولت أتكلم.. حاولت أصرخ.. لكن صوتي خرج همسًا: «يوسف.. أنا صاحِبك».. كان باصصلي.. بس مش شايفني.. كأن فيه غشاوة على عينيه.. كأن اللعبة اللي في دماغه بقت أقوى من صداقتنا.. في اللحظات الأخيرة.. الألم كان بيغيب.. كنت حاسس بجسمي بيبرد.. وبنفسي بيبعد.. بس كنت شايف كل حاجة حواليّا كأنها فيلم بيمشي ببطء.
سيدي.. بعدها بشوية، شُفت جسدي بيتحط في كيس أسود.. وشُفت صديقي بيخرج من البيت وهو شايلني..
خطواته كانت مترددة.. عينيه فيها خوف.. مش ندم.. خوف.. وصوت في قلبي بيقولي: «لسه طفل زيه.. بس اتلخبط بين اللعب والموت».
سيدى.. الناس كلها بتتكلم عن المنشار بس محدش بيسأل: إزاي طفل حمل منشار؟.. إزاي قلب صغير اتعلّم يشوف الدم عادي؟.. مين اللي سابه يعيش في ألعاب كلها عنف؟.. ومين اللي ما سمعش وجعه قبل ما يوصل للنهاية دي؟
سيدى.. أنا مش زعلان منه.. أنا بس موجوع على الطفولة اللي راحت..
عليّ.. وعليه.. وعلى كل طفل اتربّى وسط الخوف والسكوت.
سيدى.. قولوا لكل أم وأب.. اسمعوا أولادكم لما يحكوا.. خدوهم في حضنكم قبل ما يضيعوا.. لأن السكوت عن الوجع.. ممكن يولّد جريمة.
سيدى.. أنا محمد.. اللي مات على إيد صاحبه.. بس روحي لسه بتنادي.





