طبعاً هذا لا يحدث إلا فى الأفلام السينمائية، وقد شاهدناه فى عدة أفلام فرنسية وأمريكية، ولكن هذه المرة كانت حقيقة واقعة.
وأنا هنا سأتحدث عن كيفية معالجة وسائل الإعلام لهذه السرقة، فقد تم تناولها بموضوعية شديدة، وبما يتناسب مع حجم وأهمية المسروقات، وأيضاً المكان الذى تمّت السرقة منه، باعتباره -كما ذكرت- من أكبر وأشهر المتاحف العالمية حتى الآن، لأنه بعد افتتاح المتحف الكبير بمنطقة الأهرامات -بعد ٩ أيام- ستتوارى مكانته، لأن متحفنا سيكون الأكبر والأهم، ولم تقم وسائل الإعلام بمختلف أشكالها، بانتهاج سياسة جلد الذات، كما يفعل الإعلام عندنا، وكما فعل فى واقعة سرقة إسورة فرعونية من المتحف المصرى بالتحرير!.. وكادت بعض الأقلام والأصوات الإعلامية أن تطلب بشنق المسئولين عن الحادث.
وأنا هنا لا أُقلل من أهمية «الإسورة» ولا أتفه من واقعة «السرقة» ولكن أطلب أن تكون المعالجة والتناول بعيدة عن جلد الذات، وتشويه منظومة الأمن والمتاحف فى مصر، وتصدير صورة إلى العالم داخلياً وخارجياً بأن مصر لا تستطيع الحفاظ على آثارها ومقتنياتها!
وما تم فى واقعة «الإسورة» يتم بالأسلوب نفسه فى تناول كل الموضوعات، وكأن مهمتنا -فقط- جلد الذات، بعد أى إخفاق، أو خطأ، أو حتى حادث سير عادى، وأن نُمسك معاول هدم لتكسير عظام الدولة، وتشويه صورتها، ونتعامل على أن الواقعة أو الحادث هو نهاية العالم، رغم أنها تتكرر فى كل الدنيا، لكن بدون هذا الصخب.
كلنا يريد أن يكون بلدنا مصر أم الدنيا وقد الدنيا، لكن ونحن نسعى إلى هذا الهدف النبيل، لا بد أن نضع فى اعتبارنا، وقوع بعض الإخفاقات، وظهور بعض السلبيات، ولكن بدلاً من تضخيمها لا بد من مواجهتها والسعى لحلها، والعمل على عدم تكرارها.
وهذا دور أساسى للإعلام، فهو الذى يقوم بتوعية الرأى العام تجاه أى موضوع، أو أى واقعة، دون أى تهويل أو تهوين، ووضعها فى حجمها الطبيعى.. ولعل ما حدث فى نكسة ١٩٦٧، خير دليل على ما أقول، فلقد كانت النكسة هى أكبر مصيبة فى تاريخ مصر، ولكن تناول الإعلام لها، واستيعاب الرأى العام لها، هو الذى دفع جماهير الشعب أن تخرج إلى الميادين فى كل أنحاء مصر لتطلب من الرئيس عبدالناصر ألا يتنحى، بعد أن أعلن مسئوليته، وتخليه عن السلطة، وكان للإعلام وقتها الدور الأبرز فى التوعية، وكان نتيجة ذلك، أن بدأت مصر فى إعادة بناء جيشها واختيار قادة عظام لإعادة ترتيب واصطفاف الجيش من جديد، الأمر الذى أدى فى النهاية إلى نصر أكتوبر المجيد، واستعادة مصر كرامتها وأرضها، ببسالة وشجاعة جيشها وقرار زعيمها الرئيس أنور السادات.
الإعلام له الدور الرئيسى والأهم فى توعية الرأى العام وتحريك بوصلته إلى الاتجاه الصحيح، مادام ينشر الحقيقة دون حذف أو إضافة، وبشفافية وحرية، أو السعى لتحقيق مصالح شخصية!
للأسف الشديد أن كثيراً من الصحفيين والإعلاميين قد نسوا دورهم الحقيقى، وتحولوا إلى سياسيين واقتصاديين واستراتيجيين، وعلماء، وخلطوا بين الرأى والخبر، فأحدثوا بذلك خللاً فى الوعى المجتمعى، وهذا ما تسبّب فى أن يتوارى دور الإعلام الحقيقى، وهو نقل الحقيقة مجردة دون رتوش، فلا يخدع الجمهور، بأن يجعل «العجوزة صبية» أو العكس!
الدور الحقيقى للإعلام والصحافة، لا يأتى بقرار، ولكن يصنعه الإعلاميون والصحفيون بأنفسهم، بتقديم منتج جيد، يصدّقه القارئ أو المستمع أو المشاهد، ويحترمه المسئول ومتخذ القرار.
الإعلام رسالة قبل أن يكون صناعة!