شهادات حية عن أوضاع الأسرى في سجون إسرائيل الحلقة (4).. مؤسس أول خلية مسلحة للمقاومة الفلسطينية يروي تفاصيل 33 عاما في معتقلات الاحتلال (خاص)

كتب: رؤى ممدوح

شهادات حية عن أوضاع الأسرى في سجون إسرائيل الحلقة (4).. مؤسس أول خلية مسلحة للمقاومة الفلسطينية يروي تفاصيل 33 عاما في معتقلات الاحتلال (خاص)

شهادات حية عن أوضاع الأسرى في سجون إسرائيل الحلقة (4).. مؤسس أول خلية مسلحة للمقاومة الفلسطينية يروي تفاصيل 33 عاما في معتقلات الاحتلال (خاص)

أجرت الحوار: رؤى ممدوح

تصوير - محمد ليل

«محمود عيسى»، الاسم الذى تعتبره إسرائيل واحداً من أخطر ثمانية أسرى فى سجونها، حيث أرّق منامهم وتسلل إلى أماكن تجمعاتهم وثأر من جنودهم، ليقوم الاحتلال باستنفار قواته وتسخير أسلحته فى سبيل اعتقال الشاب المقاوم الذى حرمهم النوم، ليقضى عميد الأسرى المعزولين 33 عاماً فى غياهب السجون، قبل أن يتم الإفراج عنه منتصف أكتوبر الجارى، ضمن صفقة التبادل بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلى، بعد تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار فى قطاع غزة، ورغم كسر قيد السجان، إلا أن ملامح الشيخ الأعزب الذى قارب الستين من عمره لا تزال تحمل عقوداً من التعب والفقد.. «الوطن» كان لها حوار مع عميد الأسرى بعد تحريرهم فى الصفقة الأخيرة.


■ حدثنا عن ظروف اعتقالك.

- تم اعتقالى فى شهر يونيو عام 1993، ووجهت لى سلطات الاحتلال عدة تهم تتعلق بالمقاومة، أبرزها عملية خطف الجندى الإسرائيلى «نسيم توليدانو»، عام 1992 من مدينة «اللد»، حيث طالبنا آنذاك بالإفراج عن الشيخ أحمد ياسين مقابل إطلاق سراح الجندى، لكن حكومة الاحتلال التى كان يترأسها إسحاق رابين رفضت بشكل قاطع وتعنتت، فاضطررنا إلى قتله بعد انتهاء المهلة التى حددناها لتنفيذ مطلبنا وكانت مدتها عشر ساعات، كما وجهت إلىّ تهم أخرى باستهداف جنود وأفراد من الشرطة الإسرائيلية، وبناءً على ذلك حكم علىّ الاحتلال بثلاثة مؤبدات و46 عاماً إضافية، ومنذ لحظة اعتقالى حتى الإفراج عنى قبل أيام لم أغادر أسوار السجون، كنت أدرك أن الطريق الذى اخترته ليس سهلاً، لكنى أيضاً كنت على يقين أن ما أقوم به هو حفظ لحقى وكرامة الوطن.

■ أسست خلال فترة نشاطك النضالى ما عُرف بـ«الوحدة الخاصة 101».. ما طبيعة هذه الوحدة؟ وما الهدف من تأسيسها؟

- نعم صحيح، قمت أنا وثلاثة من رفاقى «موسى عكارى ومحمود عطون وماجد قطيش»، بتأسيس أول خلية عسكرية للمقاومة فى مدينة القدس المحتلة، تحت اسم «الوحدة الخاصة 101»، وكنت قائدها، وكانت مهمتها أسر جنود الاحتلال لمبادلتهم بأسرى فلسطينيين، والتخطيط لعمليات نوعية وتنفيذها بدقة متناهية، ولذلك صنفنى الاحتلال كعنصر خطر، وكان اسمى دوماً على رأس القوائم المستبعدة من أى صفقة تبادل على مدار العقود الماضية، كونى واحداً من أخطر ثمانية أسرى فى سجون إسرائيل بحسب وصفهم، وعقب واقعة الجندى «نسيم توليدانو»، قمنا بتنفيذ عمليات قتل ودهس عديدة، قبل أن يتم اعتقالنا فى يونيو 1993، وذلك بعد ستة أشهر من البحث والتحريات والمطاردات، وكان عمرى حينها 25 عاماً، وكنت قد عملت فى مجال الصحافة قبل اعتقالى، حيث كنت مديراً لمكتب صحيفة «صوت الحق والحرية»، فى مدينة القدس.

■ عشت نحو 13 عاماً فى العزل الانفرادى، كيف كانت هذه التجربة القاسية؟

العزل الانفرادى هو أقسى أنواع الأسر، فهو موت بطىء بصمت طويل، تخيلوا زنزانة بالكاد تتسع لجسدك، لا ترى الشمس ولا تشم الهواء، ضوؤها خافت، وجدرانها رمادية صماء، فقد كنت أُحتجز فى زنزانة لا تتجاوز المترين، محاطاً بالأسلاك والجدران من كل جانب، لا أسمع إلا صوت تنفسى، وكنت أرى ضوء الشمس من خلف الزجاج عند نقلى من سجن إلى آخر، وبدأ عزلى فى مطلع عام 1999 واستمر حتى عام 2012، وذلك بسبب ما اعتبره الاحتلال نشاطاً تنظيمياً داخل السجن وتواصلى مع المقاومة فى الخارج. خلال تلك السنوات تم منع الزيارة عنى تماماً لـ10 أعوام متواصلة، لم أر فيها أحداً من عائلتى، وفقدت والدى ووالدتى والكثير من الأصدقاء خلال سنوات أسرى، وكنت أقاوم الانكسار بحفظ القرآن الكريم، وكنت أراجعه كاملاً كل 3 أيام، بالإضافة إلى القراءة والكتابة، حيث أصدرت عدة كتب فى مجالات فكرية وأدبية، من بينها «المقاومة بين النظرية والتطبيق»، ورواية «حكاية صابر»، التى اعتبرتها بمثابة سيرتى الذاتية، و«عِبر لمن يعتبر.. أقاصيص من التاريخ»، و«وفاء وغدر».

محمود عيسى

■ هل حاولت الهروب من السجن خلال سنوات اعتقالك الطويلة؟

- كانت هناك محاولات أبرزها فى بداية عام 1997 حين كنت فى سجن عسقلان، قمنا مع عدد من الإخوة بحفر نفق يمتد عشرة أمتار، مستخدمين أدوات بدائية جداً، بعضها مهرب من خارج السجن كبعض الأدوات الحديدية الحادة لاستخدامها فى القطع والقص والحفر، كنا نعمل ببطء وتأنٍ حتى لا نثير الشكوك حولنا، نحفر الأرض بأيدينا، وننقل الرمال فى أكياس قماش ندفنها فى أماكن مختلفة حتى لا يتم اكتشاف أمرنا، ولكن العملية لم تكلل بالنجاح، وذلك عندما سكب أحد الأسرى المشتركين فى عملية الهرب كمية كبيرة من الرمال الناتجة عن الحفر دفعة واحدة فى مجرى الصرف الصحى فتوقف عن العمل، ففطن الحراس للأمر، ليتم بعدها التنكيل بنا جميعاً ونُقلنا للعزل، وبقيت فى الحبس الانفرادى بسبب تلك المحاولة عاماً وشهراً كاملاً، ثم تمت إحالتى إلى التحقيق العسكرى، وواصلوا بعدها عزلى لثلاثة عشر عاماً متواصلة، ورغم فشل تلك المحاولة كانت لدىّ قناعة ويقين وثقة فى الله عز وجل أننى سأخرج لا محالة.

■ كيف كانت أوضاع الأسرى خلال العدوان على غزة بعد السابع من أكتوبر 2023؟

- الأوضاع كانت جحيماً بكل معنى الكلمة، كنت وقتها فى سجن نفحة الصحراوى بالقرب من صحراء النقب، وما قامت به المقاومة فى السابع من أكتوبر كان أمراً باعثاً على البهجة والفرحة بين الأسرى فى السجون، لأنه كان حدثاً صاعقاً ومزلزلاً للكيان الغاصب، وهى خطوة على طريق تحرير فلسطين، وكنا ندرك أننا كأسرى سندفع ثمن باهظاً لأننا الحلقة الأضعف فى المعادلة، بسبب عدم امتلاكنا أدوات للدفاع عن أنفسنا، وتم تجريدنا من كل شىء بما فى ذلك ملابسنا وأحذيتنا ومتعلقاتنا الشخصية، وصبوا كامل غضبهم وحقدهم علينا، وكانت أياماً قاسية لدرجة لا يمكن أن أصفها بالكلمات، وكانوا يحاربوننا فى أداء الشعائر الدينية، فالصلاة والأذان أصبحا ممنوعين، كنا فقط نتمكن من الصيام، لأنهم بطبيعة الحال يقدمون لنا كميات قليلة جداً من الطعام، ولذلك تلاحظون أن الأسرى المحررين أجسادهم هزيلة للغاية.

ورغم ذلك كنا نقاوم لإقامة صلاة الجماعة رغماً عنهم، وجراء ذلك كان يتم سحل الكثير من الأسرى وجرهم إلى ساحة السجن الخارجية، مقيدى الأيدى والأرجل ويتم إلقاؤهم على وجوههم ووطؤها بأقدامهم، ومن ثم الانهيال عليهم بالضرب المبرح، مستخدمين الهراوات وغيرها من أدوات التعذيب حتى تسيل دماؤهم، ولم يكتفوا بذلك بل كانوا يقتحمون الزنازين ويطلقون أنواعاً من الغاز علينا حتى نشعر بالاختناق ولا نستطيع التقاط أنفاسنا، هذا الأمر كان يتكرر بشكل يومى، وكنا منقطعين تماماً عن العالم الخارجى، لا نعلم شيئاً عما يحدث فى غزة أو فى أى مكان، وكنا نعرف بعض الأخبار فقط من الأسرى الجدد الذين يتم نقلهم إلينا فيحدثوننا عن الدنيا وما فيها وتطوراتها وسلوك الناس واهتماماتهم.

محمود عيسى

■ كيف كانت مشاعرك عندما علمت بصفقة الإفراج التى جاءت بعد وقف إطلاق النار؟

- كنت أعيش لحظة لا يمكن وصفها بالكلمات، طيلة 33 عاماً لم أفقد الأمل ولو ليوم واحد، وكنت على يقين أن الله لن يخذلنى، وأن فجر الحرية سيأتى، وعندما سمعت خبر الصفقة عرفت أن هذا الفرج ليس من صنع البشر، بل هو وعد الله للصابرين، ولكن حين خرجت ورأيت غزة مدمرة والبيوت باتت أنقاضاً، والدماء فى الشوارع والجثث فى كل مكان، غمرنى حزن لا أستطيع وصفه، كنت أتمنى أن أفرح لكنى وجدت غصة فى قلبى، ولم يعد هناك متسع للفرح وسط هذا الكم من الألم، وقلت فى نفسى إن كان الله قد كتب لنا الحياة، فقد كتب لهم الخلود، ولو علم أهل الدنيا مكانة الشهيد عند الله لتمنوا أن يكونوا مع أهل غزة فى جنات النعيم حيث لا فراق ولا ألم.

■ ما الذى تعنيه غزة بالنسبة لك وللأسرى؟

- ماذا عساى أن أقول، غزة بالنسبة لى ليست مدينة فقط بل رمز الأمة وضميرها الحى، نحن ندين لغزة بالفضل فلولا صمودها لما تحقق هذا الإفراج، فغزة هى التى أعادتنا إلى النور، وهى التى أثبتت أن هذه الأمة ما زال فيها من يقاوم ويضحى، وأطفال غزة علمونا معنى الثبات، هم الذين ينامون تحت القصف ولا ينهزمون، كنا نتلقى أخبارهم فى السجون فنشعر بالخجل من أنفسنا أمام صبرهم، هم الأحرار الحقيقيون وأهل غزة ومقاومتها لهم علينا يد سبقت ودين مستحق، وسنبقى نحمل وفاءنا لهم ما حيينا.