«معلومات الوزراء»: تجربة الصين نموذجا مهما للتوسع الصناعي الذكي
«معلومات الوزراء»: تجربة الصين نموذجا مهما للتوسع الصناعي الذكي
ألقى مركز معلومات مجلس الوزراء الضوء على التجربة الصينية في مجال إنشاء المناطق الصناعية، موضحا أنّ المناطق التنموية في الصين (Development Zones, DZs) من أهم أدوات السياسة الاقتصادية التي استخدمتها الصين منذ سبعينيات القرن الماضي لتعزيز التنمية وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر؛ حيث وفَّرت الحكومة لها دعمًا كبيرًا عبر تطوير البنية التحتية وتقديم الحوافز التفضيلية.
وأثبتت الدراسات التجريبية أنّ هذه المناطق ساعدت على تسريع النمو الاقتصادي، وزيادة الصادرات، وتحفيز تدفق الاستثمارات، وفي عام 2018 بلغ عدد المناطق التنموية في الصين نحو ما يزيد عن 2500 منطقة على المستويات الوطنية والمحلية.
تجربة الصين تُمثِّل نموذجًا مهمًا للدول الساعية إلى استخدام المناطق الصناعية
وأضاف التقرير الصادر من مجلس الوزراء: «ساهمت هذه المناطق في تعزيز كفاءة استخدام الأراضي الصناعية، وإن كانت بعض المكاسب ناتجة عن تراكم رأس المال، وليس من تحسن في الإنتاجية الكلية، وتشير دراسات حديثة إلى أنّ المصانع داخل المناطق التنموية تتمتع بكثافة رأسمالية أعلى وإنتاجية أكبر لكل وحدة أرض بفضل الامتيازات الحكومية والتكامل التكنولوجي، ومع ذلك تبرز الحاجة إلى تطوير أطر نظرية وسياسات تقييم شاملة لضمان الاستخدام الأمثل للأراضي الصناعية».
ذكر التقرير أن تجربة الصين تُمثِّل نموذجًا مهمًا للدول الساعية إلى استخدام المناطق الصناعية كأداة لتحقيق التنمية، لكنها أيضًا تُسلِّط الضوء على ضرورة التوازن بين التوسع الصناعي وكفاءة استخدام الموارد واستدامة النمو.
وتُعد المناطق الصناعية في الصين، لا سيما مناطق التنمية الصناعية عالية التقنية (High-Tech Industrial Development Zones, HTIDZs)، ومناطق التنمية الاقتصادية والتكنولوجية (Economic and Technological Development Zones, ETDZs)، محركات أساسية للابتكار والتنمية الصناعية النوعية.
وتحولت هذه المناطق من مجرد وجهات للتصنيع كثيف العمالة إلى مراكز حيوية للبحث والتطوير والابتكار التكنولوجي؛ واستضافت 84% من المختبرات الحكومية و78% من مراكز الابتكار التكنولوجي الوطنية في عام 2022، وتضاعفت ميزانية البحث والتطوير في هذه المناطق بأكثر من 3 مرات خلال العقد الماضي، متجاوزة تريليون يوان في عام 2021.
التركيز الهائل للموارد البحثية والتطويرية
وأدى التركيز الهائل للموارد البحثية والتطويرية داخل هذه المناطق إلى خلق تأثير تجميعي قوي، أسهم في جذب عدد كبير من المواهب والاستثمارات في مجالات البحث والتطوير وشركات التقنية المتقدمة.
وأدى ذلك إلى تحقيق تقدم ملموس في التقنيات الاستراتيجية، وإلى زيادة هائلة في صادرات المنتجات عالية التقنية، التي ارتفعت من حوالي 3.2% من إجمالي صادرات الصين في عام 2012 إلى 24.4% في عام 2021، وهذا التحول يشير إلى انتقال الصين من كونها «مصنعًا للعالم» إلى «مبتكر للعالم».
واستلهمت الصين نماذج عالمية مثل وادي السيليكون، كما في تجربة منطقة تشونغ قوان تسون عام 1988، لتطوير بيئة ابتكارية متكاملة تربط البحث العلمي بالتصنيع المتقدم. وتدعم السياسات الحديثة، كاستراتيجية «القوى الإنتاجية النوعية الجديدة»، صناعات استراتيجية مثل الذكاء الاصطناعي والمواد الجديدة.
ويعد هذا النهج الشامل للابتكار، من البحث والتطوير إلى جاهزية السوق، أمر بالغ الأهمية لترجمة التطورات التكنولوجية إلى قيمة اقتصادية وبناء منظومة ابتكارية مستدامة وقادرة على دعم نفسها. ومن خلال إنشاء منصات متكاملة وأنظمة دعم داخل المناطق الصناعية، تسعى الصين إلى تسهيل عملية الابتكار وتسريع تحويل الإنجازات العلمية إلى منتجات وصناعات قابلة للتسويق.
ورغم النجاحات البارزة، تواجه تجربة الصين في المناطق الصناعية مجموعة من التحديات المعقدة، بينما تفتح في الوقت ذاته آفاقًا واسعة من الفرص المستقبلية، وتتمثل أبرز التحديات التي تواجه الصين في المناطق الصناعية:
- الإرث البيئي: حيث أدى النمو الصناعي السريع في العقود الماضية إلى تدهور بيئي كبير؛ حيث كان القطاع الصناعي مسؤولًا عن أكثر من ثلثي التلوث الإجمالي في عام 2017، ولا تتجاوز نسبة الحدائق الخضراء 5%، ما يعكس الحاجة إلى جهود مكثفة للتحول الأخضر.
- قضايا العمالة وتأثير الأتمتة: فعلى الرغم من خلق الملايين من الوظائف، تهدد الأتمتة 77% من الوظائف في الصين، ما يثير مخاوف بشأن البطالة وضغط الأجور، خاصة للعمالة منخفضة المهارات وكبار السن.
- فجوات تنفيذ السياسات: فعلى الرغم من خفض المناطق البيئية للانبعاثات، يظهر أثرها بعد عامين، ويتراجع خلال 8 سنوات، متأثرًا بضعف اللوائح البيئية وضغوط النمو الاقتصادي قصير الأجل على الحكومات المحلية.
- الطاقة الإنتاجية الفائضة: تتجلى خطورة المشكلة في معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في الصناعة الصينية، والذي غالبًا ما يقل عن 80%، ويحدث فائض الطاقة الإنتاجية عندما تتجاوز القدرة الإنتاجية حجم الطلب في السوق، ما يؤدي إلى انخفاض استغلال الموارد؛ ففي أغسطس 2024، بلغ هذا المعدل 74.9%، وهو أقل من نظيره في اقتصادات كبرى أخرى مثل الهند (76.8%)، والولايات المتحدة (77.96%)، وألمانيا (77.4%). وتُظهِر بعض القطاعات، مثل المنتجات المعدنية غير الحديدية، وصناعة السيارات، معدلات أسوأ، مما يعكس مشكلات هيكلية أعمق.
- الاختناقات التكنولوجية: ما زالت الصين تعتمد على التكنولوجيا الأجنبية في بعض القطاعات الاستراتيجية، بينما تشكل القيود الأمريكية على الرقائق الإلكترونية المتقدمة وأشباه الموصلات تحديًا أمام تحقيق الاكتفاء الذاتي التقني.