أسامة شعث يكتب لـ«الوطن»: القضية الفلسطينية بين النظام الدولي وتيارات الإسلام السياسي

كتب: محرر

أسامة شعث يكتب لـ«الوطن»: القضية الفلسطينية بين النظام الدولي وتيارات الإسلام السياسي

أسامة شعث يكتب لـ«الوطن»: القضية الفلسطينية بين النظام الدولي وتيارات الإسلام السياسي

تعيش القضية الفلسطينية واقعاً بالغ التعقيد فى ظل حالة تشظِّى الداخل الفلسطينى من جهة، وحالة التشظى والعجز العربى الإقليمى من جهة أخرى.. وكذلك التنافس والاستقطاب الدولى والعالمى من جهة ثالثة.

وكل تلك التعقيدات لم تكن أبداً وليدة اللحظة، وإنما بدأت إرهاصاتها كنتاج سوابق كثيرة، لا مجال للخوض فيها رغم أهميتها.. إذ كانت الحرب العالمية الثانية والقوى المنتصرة فيها قد أنتجت من بين ما أنتجت محورين رئيسيين متضادين يحملان أيديولوجيتين متناقضتين فى الفكر بين الحكم الشمولى والديمقراطى، وبين الموروث الثقافى المحافظ والانفتاحى.. وفى الرّؤى بين الاقتصاد الاشتراكى والرأسمالى، وهو بالكاد أثّر على السياسات والعلاقات بين وحدات النظام الدولى.

ومع كل هذه التفاعلات والاستقطابات المتغيرة والمتعدّدة، بحسب المتغيرات والتطورات، ظلت الرؤية الدينية لها حاضرة فى المشهد الدولى. وكذلك انسحب الأمر على الواقع العربى الذى لم يكن أحسن حالاً من دول العالم الأخرى الخاضعة للاستعمار والهيمنة الأوروبية منذ الحرب العالمية الأولى ونتائجها الكارثية على العالم وعلى الوطن العربى على وجه الخصوص، حيث قسمت اتفاقية «سايكس - بيكو»، سنة 1916، النفوذ بين القوى المنتصرة آنذاك بريطانيا وفرنسا. فشكّلت الدول ورسمت حدوداً بينها وقضمت وقطعت دولاً، ووسّعت أخرى، وأنشأت دولاً على حساب أخرى.. إلى أن تشكّل النظام العالمى الحالى عقب الحرب العالمية الثانية بتأسيس الأمم المتحدة سنة 1945.

ولأن الأمة العربية جزء أصيل وفاعل فى هذا الكوكب، بموقعه الجغرافى المميز وقواه وموروثه الثقافى وحاضره وثرواته.. فإنها قطعاً تُؤثر وتتأثر بما يحيط بها من متغيّرات، فظهر التيار القومى العربى، وفى مقابله تيار الإخوان المسلمين، وبينما نادى التيار الأول بالوحدة العربية والاستقلال، نادى الآخر باستعادة الخلافة الإسلامية. وبدلاً من وحدة الجميع للخلاص من الاستعمار.. انقسم التياران فى الرؤية والأهداف، وإلى يومنا هذا ظل انقسامهما يتعاظم تارة ويخبو أخرى.. تغذيه تلك القوى الغربية، بحسب متغيراتها وتفاعلاتها الدولية على قاعدة «فرِّق تسُد» البريطانية.

فنلحظ هنا أن نشأة الإخوان المسلمين بدأت بدعم بريطانى سنة 1928، ثم بعد ذلك بسنوات أتبعتها بدعم تأسيس الجامعة العربية سنة 1945، ضمن حدود الحاجة إليها، وبما يجعلها لا تخرج عن الخط المرسوم لها، بحيث تظل حالة اللاوحدة واللافرقة موجودة بين الدول العربية.. فكانت الجامعة أشبه بالتنظيم الشكلى دون الفعلى.

وعوداً على ذى بدء، تأثرت فلسطين بكل تلك الأحداث والمتغيرات والمحاور والصراعات الدولية والإقليمية، فكانت ضحية النظام الدولى برمّته منذ تأسيسه وإلى يومنا هذا.. هذه المظالم التى تعرّضت لها فلسطين لم تبدأ اليوم، وإنما بدأت مبكراً، فكان الظلم الأول فى اتفاقية «سايكس بيكو» بفصلها عن محيطها العربى سنة 1916، والثانى فى «وعد بلفور»، لتكون فلسطين وطناً لليهود سنة 1917، والثالث قرار تقسيمها الصادر عن الأمم المتحدة سنة 1947، والرابع باحتلالها ونكبتها وتشريد شعبها الفلسطينى وقيام الكيان الصهيونى على أرضها سنة 1948، ولم تتوقف مظلومية فلسطين عند هذا الحد، وإنما جاءت نكسة 67، وما تلاها من تغييرات جيوسياسية هائلة. وكل ذلك لم يُؤثر على الشعب الفلسطينى بقدرته على العودة والتجدّد، كطائر الفينيق المنبعث من بين ركام التاريخ وأنقاض الحضارات.

وأمام تلك المظالم، واصل الشعب الفلسطينى انبعاثه الإنسانى والحضارى بمعية أو بإسناد أمتيه العربية والإسلامية وأحرار العالم، وضمن حدود القدرة على المواجهة والنضال، فيما عرف لاحقاً بالصراع للبقاء على الخارطة الجيوسياسية الدولية، وفقاً لنظرية بسمارك (أعطنى شبراً على الأرض لأقف عليه وأحرك العالم)، فى ظل هذا النظام الدولى الظالم والمعقّد. وهنا نعود للصورة العربية التى لم تغب انقساماتها عن النظام الدولى برمَّته فكان التجاذب والتسابق العربى والإقليمى للاحتواء تارة والهيمنة على قضية فلسطين أخرى، لما تُمثله من رمزية دينية، وترنو إليها أنظار الشعوب قاطبة، ولما لها من مركز ثقل جيو-استراتيجى مهم جداً.

ولأن فلسطين قلب الأمة وجزء أصيل من حضاراتها وجغرافيتها وإرثها العربى والإسلامى، كونها ملتقى الحضارات والأنبياء والرسالات السماوية ومسرى رسولنا الكريم، ومهد سيدنا المسيح عليه السلام، فهى تتأثر بمحيطها وبيئتها العربية والإقليمية وكذلك الدولية.. فكانت تناقضات الأنظمة السياسية العربية، وبالمثل التيارات الأيديولوجية العربية مرآة عاكسة لها فى فلسطين.. فوجدنا أحزاباً وفصائل متناقضة ومتضاربة فى الرؤى والأساليب والمرجعيات، رغم اتفاقها جميعاً على الأهداف الوطنية بالتحرّر والانعتاق من الاحتلال. وفى خضم هذه التناقضات حافظت منظمة التحرير الفلسطينية، منذ نشأتها سنة 1964، على احتضان جميع القوى والفصائل الوطنية الفلسطينية، رغم تناقضاتها البنيوية ومرجعياتها الأيديولوجية.. وأمام كل تلك التناقضات ظل التماسك الفلسطينى لجهة التصعيد والمواساة المحسوبة مع الاحتلال بقدر إدراك الجميع لأسقف القوة العربية، فى ظل التوازنات الدولية التى جاءت كمحصلة للنظام العالمى غير المثالى، والتى لم تنفك أبداً عن الدعم المطلق للاحتلال.

لكنَّ نجاحاً ملموساً على صعيد الرواية والحكاية العربية الفلسطينية قد تحقّق فى الأمم المتحدة، وانبرت منظمة التحرير ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطينى تأسيساً على حق الشعوب بتقرير مصيرها، وهو ما يُعد نجاحاً محدوداً، جاء ثمرة عوامل فلسطينية وعربية وعالمية كثيرة أسهمت فى دفع القضية الفلسطينية إلى صدارة القضايا الدولية، الأمر الذى لا يروق للاحتلال الصهيونى من جهة، وكذا لحلفائه (أمريكا والغرب) فى الوقت ذاته، ولم يرُق هذا الأمر للخصوم التقليديين للأنظمة العربية (الإخوان المسلمين)، فكان التلاقى هنا مصلحياً على قاعدة (عدو عدوى صديقى).

وبالتالى وجد الاحتلال ضالته بدعم وجود تيار دينى فى فلسطين لا يعترف بمنظمة التحرير، فنشأت حركة المقاومة الإسلامية كنقيض وكبديل يرفض -وما زال- الانضواء تحت سقف منظمة التحرير، مما أحدث شرخاً بنيوياً غير مألوف ومن نوع جديد فى المشهد الفلسطينى، فمن جهة تحوير الصراع من وطنى وقومى عربى إلى دينى خالص، متجاهلاً التفاعلات الاجتماعية الفلسطينية المتلاحمة ضد الصهيونية العالمية، فى الوقت الذى سعى فيه الاحتلال إلى إثارة هذه الصراعات والانقسامات الطائفية.. فإن استخدام الدين كواجهة سياسية قد يؤدى إلى نتائج عكسية خطيرة تؤدى من حيث لا يعلم أصحابه (الإسلام السياسى) إلى النفور من الدين، والعياذ بالله، لأنه لا أحد فينا معصوم من الخطأ، وعندما تحكم باسم الدين وتخطئ، فإن الخطأ هنا لا يرتد على فاعله وإنما على عقيدة المواطن ذاته.

وإذا ما استحضرنا تجربة الحكم الإثنوقراطى الكنائسى فى العصور الوسطى، فسنجد أنه انعكس سلباً عليها ليس بسبب المسيحية، وإنما سوء استخدامها لمصلحة الكهنة والقساوسة حينها.. وعوداً على بدء، كان ظهور تيار أو فصيل دينى فى فلسطين يرفض الوحدة أخطر بكثير من الانقسامات الأيديولوجية المعهودة.. فظهور التيار الإسلامى فى ثوب الدين يجعل كل من يختلف «لا دينى» أو «علمانى» أو غير ذلك.. لقد انتقلت مطحنة التنافس العربى القديم التى سبق أن أشرنا إليها بين التيار القومى والدينى (الإسلام السياسى) إلى داخل فلسطين، وانعكست على قضية الأمة شكلاً وموضوعاً وخدمت الاحتلال وروايته المزيفة والمكذوبة، فكانت من أخطر نتائجها النكبة الكبرى فى سنة 2007، باستيلاء «حماس» على الحكم بالقوة المسلحة فى غزة، رغم فوزها بالانتخابات البرلمانية.. ولاحقاً رأينا نماذج إقليمية كثيرة نمت فيها جماعات متدينة اتخذت من الدين ستاراً لها.. فأحدثت قتلاً ودماراً وتشريداً باسم الدين، والدين الإسلامى الحقيقى برىء من تلك الأفعال.

وكانت الانقسامات الفلسطينية مدعومة كلياً من بعض الأنظمة العربية والإقليمية. ولكن الانقسام الجيوإدارى الذى أحدثته «حماس» فى غزة سنة 2007 لم يكن ممولاً عربياً وإنما كان التمويل إقليمياً أفادت به، من حيث تدرى أو لا تدرى، الاحتلال، لذلك كان الاحتلال طوال عقدين الممول الرئيسى لها، ليس حباً فيها، وإنما لغرض إنهاء أى وجود سياسى فلسطينى، وقتل الحلم بإقامة الدولة، لإدراكه التام أنه لا دولة فى غزة ولا دولة بدونها، وبالتالى استمرار الانقسام يخدم الاحتلال أولاً ويضر بالمشروع والحلم الفلسطينى، وفى الوقت ذاته يخدم مصالح تلك القوى الإقليمية.. ويسهم بتعزيز حالة التشظى العربى. وإجمالاً يمكن القول إن الاختلاف الفكرى والأيديولوجى أمر صحى لا يُفسد للود قضية، بينما لا يجب مطلقاً أن يكون الدين جزءاً من تلك التناقضات والأيديولوجيات لسموه وعلوه عليها.. لقد أضرت تيارات الإسلام السياسى، عن قصد أو دون ذلك، بالقضية الفلسطينية، وقدّمت للاحتلال خدمة جليلة بتدمير الحلم الفلسطينى بإقامة الدولة دون وعى ودون تقديم مشروع بديل.. سوى التماهى المعلن مع الاحتلال.


مواضيع متعلقة