الإخوان والفن «3».. اختراق ناعم
كالحية الرقطاء ذات السمية العالية، التى تمتلك قدرة هائلة على التخفّى والتأقلم مع البيئة المحيطة، والتى تتخف بين الشقوق وتحت الرمال، فى انتظار الانقضاض على الفريسة، عاشت جماعة الشيطان تارة تحت الأرض تعمل فى الخفاء وتارة أخرى فى العلن تنتظر اللحظة المواتية لها، لا يتغير دستورهم الذى وضعه مؤسسهم حسن البنا، ولكن يغيروا أساليبهم، ونظراً لأن رأس الحية اعتبرت الفن مفسدة للعقول والأرواح وأنه لهو رخيص ويتساوى الفنون مع الفجور والمجون والخمر والميسر، فباقى الجسد بالتبعية يقول «آمين»، حتى إن تعاطى مرشدوهم الفنون -كما ذكرنا المقال السابق- بالخفاء، كما فعل الهضيبى، أو الإعلان كما فعل التلمسانى، إلا أن باقى المرشدين ابتعدوا عن الحديث عن الفن ونجومه، وتركوا هذه المهمة لأعوانهم يهاجمون ويتوعّدون.
فعندما أعاد الرئيس الراحل أنور السادات الجماعة للعلن وأطلقهم من السجون كانت خطواتهم محسوبة، لذا غيروا أساليبهم فى التعامل، وقام التلمسانى بإعادة هيكلة الإخوان وضم إليها شباب التيارات الدينية بالجامعات، ونجح فى رسم خطة لمدة خمسين سنة أطلق عليها خطة المشى فى «خطوات متوازية»، للتسلل إلى الأنشطة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والنقابات والمدارس والجامعات، وبالتبعية الفنون بجميع أشكالها، وهو ما تم تنفيذه بالفعل فى عهد المرشد محمد حامد أبوالنصر «1986 - 1996»، وربما من تلاه أيضاً، فقد عمدت الجماعة على السير فى أسلوبين متوازيين من انتقاد الفن والإعلام تحت قبة البرلمان واختراق المؤسسات الفنية والإعلامية.
أما الأول من انتقاد الفن والإعلام تحت قبة البرلمان فحدث عندما خاضت الجماعة الإرهابية الانتخابات النيابية عام 1987، متحالفة مع أحزاب «العمل الاشتراكى والأحرار الديمقراطى» تحت مسمى «التحالف الإسلامى» ودخله ما يقرب من 40 عضواً للبرلمان، منهم أسماء يعرفها الآن القاصى والدانى بأعمالهم التخريبية فى مصر، منهم على سبيل المثال مهدى عاكف وعصام العريان، هؤلاء النواب اهتموا داخل البرلمان بمواضع الشريعة كجزء من خطابهم، كما زعموا وهاجموا ما وصفوه بالممارسات غير الإسلامية التى يقرّها النظام من وجهة نظرهم، وانصب هجومهم على الفوائد البنكية، والسماح بشرب الخمر وعرض مواد غير مناسبة فى التليفزيون، هذا الهجوم على الإعلام والفن لم يكن بشكل مباشر، أى رفض أعمال فنية بعينها، بل كانت تأتى فى سياق طرح مشكلة اجتماعية، ويوضع فى داخل عبارات تهاجم الفن والإعلام.
ولعل اختراق المؤسسات الفنية والإعلامية، وهو الأسلوب الثانى والأهم بالنسبة لهم، فقد جاء من استقطاب كتاب وصحفيين لاختراق الصحف ونشر رؤاهم وأفكارهم، كما قال الباحث أحمد كمال فى دراسته «إعلام الإخوان بين الفاعلية والانهيار»: «لجأت الجماعة خلال فترة السبعينات والثمانينات من القرن العشرين لاستقطاب بعض الكتاب والصحفيين فى محاولة من التنظيم لاختراق وسائل الإعلام بشكل غير مباشر، وهو أسلوب استخدمته الجماعة خلال المرحلة الثانية من عمرها حتى بداية الألفية»، وسرد فى دراسته اختراقهم حزب الوفد، وبالتبعية صحيفتهم فى انتخابات 1984.
هذا الاختراق للصحف لم يقف عند هذا الحد، بل بدأ فى التغلغل داخل الوسط الفنى والتليفزيون المصرى من خلال فنيين ومهندسى صوت وصورة ومونتاج وديكور، وربما فنانين معروف انتماؤهم فى اختراق الوسط الفنى، وقالها لى صديق بالمبنى العريق إنهم تغلغلوا بداخل ماسبيرو، لدرجة أن رئيس قطاع الهندسة فى التليفزيون المصرى كان مقيماً فى اعتصام رابعة، وهو نموذج يمكن القياس عليه من كم العناصر الموجودة داخل الإعلام الرسمى والخاص والفن المصرى.
ووسط كل هذا لم يغفل الإخوان عن محاربة الفن فى فتاواهم الخاصة، مثل تحريم الغناء، خاصة للنساء، وسماع الأغانى والآلات المطربة، وقس على ذلك، مع أن مسئولى الجماعة، خاصة مرشديهم، لا يجرّمون أو يحرمون الفنون، بل يتركونها لأعوانهم يطلقون الفتوى نيابة عنهم.
و للحديث بقية..