طه عودة أوغلو يكتب لـ«الوطن»: صراع النفوذ الإقليمى بين تركيا وإسرائيل وإيران
وفرضت شخصية الشرع وخلفيته السياسية والأيديولوجية، بحسب المراقبين، إضافة إلى الدعم التركى الواضح له، واقعاً جديداً، يتطلب من القوى الإقليمية إعادة تقييم مواقفها وتحالفاتها تجاه سوريا. وفى المقابل بدأت تتبلور ملامح منافسة جديدة بين قوتين نافذتين فى المنطقة، هما تركيا وإسرائيل، وسط متابعة دقيقة من إيران وتحرك روسى بطىء لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من النفوذ الروسى السابق فى سوريا.
وترى شريحة واسعة من دوائر صناع القرار فى المنطقة أن الصراع التركى الإسرائيلى بكل أبعاده السياسية والأمنية وحتى الدينية (من الجانب الإسرائيلى) هو ما سيحدد وتيرة التصعيد الإقليمى، وكذلك توقيت اندلاع أى مواجهة تركية إسرائيلية قادمة. ويبدو أن تركيا العضو فى حلف الناتو والدولة الإسلامية فى منظمة التعاون الإسلامى، بدأت بالتحضير للمواجهة مع إسرائيل من خلال الاستعدادات العسكرية وتحصين الجبهة الداخلية وكسب تأييد العالم الإسلامى.
وواجهت تركيا لحظة إقليمية حرجة مع التصعيد المتسارع بين إسرائيل وإيران فى يونيو الماضى، الأمر الذى وضعها أمام تحديات أمنية ودبلوماسية واقتصادية معقدة، كما وجدت تركيا نفسها على خط التماس الجيوسياسى المعقد، حيث تتقاطع المخاوف الأمنية مع الحسابات الدبلوماسية والمصالح الاقتصادية الحيوية، فيما تتعامل أنقرة حالياً مع واقع جديد ينذر بإعادة تشكيل خرائط التحالفات والاصطفافات فى المنطقة.
هذا التصعيد الذى أشعلت شرارته إسرائيل فى المنطقة، والضرب فى كل الجبهات المدعومة بغطاء من الولايات المتحدة، يضع أنقرة أمام واحدة من أعقد لحظاتها الدبلوماسية، إذ تتحرك ضمن حقل ألغام إقليمى يفرض عليها التزام أقصى درجات التوازن، وبحكم موقعها ومكانتها الجيوسياسية، محكومة بلعب دور الوسيط لا الخصم، والتصرف بعقلانية مسئولة، وليس بحياد سلبى.
وتسعى أنقرة دائماً إلى الحفاظ على الاستقرار الإقليمى لتجنب تأثيرات النزاعات على حدودها وعلى أمنها القومى وأى صراع واسع النطاق فى المنطقة، ولطالما سعت للعب دور وسيط فى المنطقة.
ويبدو واضحاً أن لأنقرة مخاوفها الأمنية الخاصة من التطورات فى المنطقة، بما فى ذلك التحركات الإسرائيلية فى سوريا والمنطقة عموماً، فضلاً عن الأنشطة المرتبطة بإيران فى سوريا والعراق. وأى تصعيد قد يؤثر على التوازنات الأمنية فى هذه المناطق ويخلق لها تحديات جديدة، كما أن القلق التركى يأتى فى سياق محاولات أوسع لإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، وسط تعقيدات سياسية وعسكرية جديدة تشهدها المنطقة.
فى المقابل تجد إسرائيل نفسها أمام مشهد سورى معقد للغاية، تتقاطع فيه الأجندات التركية والإسرائيلية بين تنسيق ضرورى ومخاوف متبادلة، وسط إعادة رسم لخريطة النفوذ فى الشرق الأوسط.
تختلف رؤية تركيا لسوريا ما بعد سقوط نظام الأسد، عن إسرائيل، إذ تسعى الأخيرة إلى ضم سوريا إلى الاتفاقات الإبراهيمية وتطبيع العلاقات معها، بما يخدم مصالحها الأمنية والسياسية، أما بالنسبة لتركيا فإنها ترغب فى دولة موحدة ذات سيادة وطابع قريب من النموذج التركى، وبالطبع، تُثير هذه الرؤية استياء إسرائيل، التى لا ترغب فى حكومة موالية لأنقرة على حدودها. لذا، ستبذل قصارى جهدها لتقويض رؤية تركيا وتعزيز هيمنتها الإقليمية على السياسة السورية، من خلال دعمها (الأقليات) من خلال تعزيز لا مركزية الحكومة، بل وفى تحقيق الحكم الذاتى أيضاً.
وعليه، فإن الفترة المقبلة ستشهد صراعاً على النفوذ بين تركيا وإسرائيل، فى الوقت الذى يبدو فيه صراع النفوذ فى سوريا غير متكافئ، فبينما تتمتع أنقرة باليد العليا فى تلك الساحة، تتبنى إسرائيل سياسة «إطلاق النار فى كل الاتجاهات»، وتحاول فعل أقصى ما يمكنها لإثارة الفوضى فى سوريا، وتستخدم فى هذا الصدد علاقتها القوية مع واشنطن، لكن الموقف الأمريكى لا يبدو مؤيداً لها بشكل كامل، فى ظل العلاقة الخاصة التى تربط أردوغان بترامب.
فإسرائيل لا تسعى من الأساس لإزاحة أنقرة عن الساحة السورية والحلول محلها، لكنها تسعى إلى تكوين حزام أمنى يضمن لها بسط نفوذها على الجنوب السورى لتحصين مناطقها الشمالية.
وتؤكد المعلومات الخاصة أن كل الخيارات مفتوحة الآن لدى أنقرة، ولا سيما بعد وضع حلفائها أمام المسئوليات المترتبة عليهم إزاء الاعتداءات المتكررة التى ترتكبها إسرائيل ضد أمن تركيا، وأنهم إذا تخلفوا عن واجباتهم فى أى حادثة من هذا النوع مستقبلاً، فإن أنقرة ستردّ بنفسها من دون انتظار، خصوصاً أن اعتداءات إسرائيل، تحديداً على الساحة السورية، بدأت تؤثر سلباً أيضاً فى هيبة تركيا وصورتها وقوتها العسكرية إقليمياً.
* باحث مختص بالشأن التركي والعلاقات الدولية