ماذا يريد الناس؟
ماذا يريد الناس؟ لو طرحنا السؤال على ألف مصرى ومصرية فى الشارع، فستتمتم الغالبية بكلمات وعبارات مفادها: «الستر والصحة وأطمن على العيال»، لو كان هناك عيال، ولو لم يكن هناك، فستتغير الكلمات إلى: «ويكون عندى عيال وأطمن عليهم».
يبدو ما يريد الناس، بحسب ما يقولون فى غاية الروعة. لا أشكك فيما يقول الناس، وفى صدقهم. هو جزء من الثقافة، فالبعض يقول إن ذلك شكل من أشكال الرضا، لكن المؤكد أن واقع حال الناس يعكس ما هو أكثر وأبعد من الستر والصحة والعيال، المقبلون على الزواج يختلفون ويتفقون ويقترضون من أجل أن يبدأوا حياتهم بثلاجة وديب فريزر وشاشة تليفزيون ضخمة وطقم صينى مليون قطعة وغرفة أطفال، رغم أن الإنجاب فى علم الغيب. لا ألومهم، هذا ما وجدنا عليه آباءنا، وبعيداً عن ضرورة تغيير العديد من مكونات الثقافة المجتمعية، فإن الإشارة إلى هذا المثال الغرض منها إثبات أن حكاية «الصحة والستر والعيال» فى الأغلب هى مقدمة لما يريدونه حقاً. بالطبع الغالبية المطلقة تسعى إلى ثالوث الحياة: صحة وستر وعيال، لكن الغالبية أيضاً تسعى إلى ما هو أكبر من ذلك بكثير.
وأعود إلى السؤال: ماذا يريد الناس؟ هل تعلم الحكومة ماذا يريدون؟ هل يعرف الإعلام ماذا يريدون؟ هل يعلم نواب الشعب فى مجلسى النواب والشيوخ ماذا يريد الناس؟
مضى وقت طويل منذ خرج آخر بحث علمى، وآخر كتاب، وآخر دراسة عما يدور فى الشارع المصرى وفى القلوب والعقول المصرية، وآرائهم، مواقفهم، أحلامهم، كوابيسهم، أمنياتهم، رغباتهم وغيرها. أدوات القياس غائبة أو مغيبة. وجهود الباحثين متوقفة، أو تم توجيهها لموضوعات أخرى. ورغم ذلك، فالجميع إما يعتقد أنه يعرف ماذا يريد الناس، أو لا يعنيهم ماذا يريدون أصلاً، والأخيرة كارثة إن صحت، وحيث إننا مقبلون على مرحلة جديدة، سواء انتخابات مجلس النواب، أو فى ضوء بشائر انفراجات إصلاحية داخلية، فإنه يجدر طرح السؤال، والخروج بصورة متكاملة عن رغبات المصريين الحقيقية وتوقعاتهم للمرحلة المقبلة، وإلا فإن الفرصة الذهبية للانفراجة والإصلاحات ستذهب هباءً، المؤكد أن كل المصريين سيخبرونك عن أوجاعهم الاقتصادية، وآلام الأسعار المبرحة، وتأوهات من عدم القدرة على الاقتراب من سقف الطموحات، وهذا أيضاً طبيعى ومتوقع، لكن الأمر يحتاج ويستحق البحث فيما بعد الطموحات الاقتصادية، فى حال هدأت أوجاع الاقتصاد قليلاً، سيعود المصريون حتماً إلى الأحلام والأمنيات. البحث أو الاستطلاع المقترح سيلقى الكثير من الضوء على درجة الوعى لدى المصريين، وعلى أولوياتهم المعيشية، وربما تنتج عن هذا رؤية أوضح وأشمل لما ينبغى العمل عليه فى الفترة المقبلة من بناء الوعى، وذلك عبر التعليم والثقافة والإعلام والفنون، وبمناسبة الفنون والفنانين، أقول إن «مهرجان الجونة» مادة بالغة الثراء لمن أراد أن يفهم ما جرى فى المجتمع المصرى. لا أتحدث عن الفعاليات الفنية للمهرجان، ولكن عن هذا النهم الرهيب والإقبال منقطع النظير لتداول صور الفنانات، والتمعن فى تفاصيل الملابس، والإمعان فى نشر الصور ونثر الهمسات واللمسات، وكأن الطواقم الموجودة هناك مهمتها الإمساك بالسقطة واللقطة.
هذا الاتجاه أثبت «نجاحاً» بمقاييس الصناعة والتفجير العنكبوتيين، لكنه كشف، أو لعله استمر فى الكشف، عن الكثير مما يموج به المجتمع من أفكار تتعلق بالطبقات الاجتماعية والاقتصادية، ومواقف تتعلق بالنساء، وأخرى تتعلق بالعمل بالتمثيل، وغيرها الكثير، لا أدافع أو أهاجم عن «مهرجان الجونة»، فهذا ليس مجال تخصصى، ولكن أجد فى تعليقات المصريين على الصور والأخبار (والتى يتم عرض الكثير منها بهدف التهييج والإثارة، ومن ثم التريند والريتش) ما يستوجب الاهتمام. تعليقات الكثيرين التى تعكس مواقفهم تجاه المرأة، والأثرياء، والملابس، وأماكن الترفيه، وغيرها تكشف الكثير عما يجول فى نفوس الناس.
أخطر ما تكشف عنه تعليقات الناس على الصور والفيديوهات وأخبار المهرجان هو سيطرة فكر منغلق بالغ الرجعية فيما يتعلق بالفن والفنانين، ولا أتحدث عن الملابس. المزاج العام باتت تسيطر عليه قناعة أن الفن حرام. مرة أخرى، لا أتحدث عن «فستان فلانة المكشوف» و«الإطلالة الجريئة لعلانة»، وهى عناوين يصنعها جانب من الإعلام وكذلك السوشيال ميديا، أتحدث عن الفن والفنانين ودور الفن وأثره فى المجتمع، وأقول إن جهات أو جماعات متروكة ترتع فى فكر المصريين، تنشر الرجعية والانغلاق والتشدد والتطرف بنعومة بالغة، ومستفيدة أقصى درجات الاستفادة من قوة السوشيال ميديا، ولا تجد ما يواجهها وينافسها فى المقابل من أفكار ورؤى وفنون وثقافة، أكاد أجزم أنك لو ضغطت على كثيرين فى سؤال: ماذا يريد الناس؟ فستأتى ضمن الإجابات، إلغاء الفن ومحاكمة الفنانات. هذا نتاج فكر تُرك يرتع فى مصر، ونسخة أكثر تشدداً بزغ نجمها فى السنوات القليلة الماضية وراء الأبواب المغلقة.
رحم الله فاتن حمامة ومريم فخر الدين ونادية لطفى وسعاد حسنى ومديحة يسرى وأسمهان وأم كلثوم، وجماهيرهن العريضة.