د. غادة البدوي تكتب: نتنياهو تحت ضغط ترامب

كاتب صحفي

في خضم تصاعد التوترات والأزمات في الشرق الأوسط تتبلور الآن ضغوط واضحة تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية على حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بهدف دفع مسار السلام قدماً وفتح الباب أمام ما يمكن اعتباره «المرحلة الثانية» من استراتيجية السلام التي تبنّتها واشنطن. من خلال هذه الخطوة تؤكد واشنطن جدّيتها في الدفع بتحوّل سياسي كبير، مدعوماً بتوافق إقليمي ودولي واسع حول ضرورة معالجة جذور الصراعات وتأمين الاستقرار للمنطقة.

بدأت هذه الحركة مع بداية أكتوبر 2025، حين دخلت الولايات المتحدة بقوة في مفاوضات وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس، عبر إرسال فريق مفاوضين برئاسة المبعوث الأمريكي الخاص للشرق الأوسط ستيف وتكوف، وقد وضعت واشنطن مهلة لإسرائيل لقبول بنود الاتفاق المؤقت، وفي الوقت عينه مارست طاقات ضغط على حماس لضمان التزام شروط التهدئة. ثم في 13 أكتوبر، استضافت مصر مؤتمراً في شرم الشيخ برئاسة مصرية-أمريكية، شارك فيه عدد من الزعماء الإقليميين والدوليين، وأسفر عن إعلان منسّق بعنوان «السلام والازدهار الدائم».

الضغط الأمريكي على إسرائيل يتجاوز توقيع الاتفاقيات البراقة، فهو يعكس رؤية متكاملة للمجتمع الدولي بأن تسوية الصراع في قطاع غزة لم تعد قضية ثانوية أو قابلة للتأجيل. فوفق التحليلات، ترى واشنطن أن الصراع لم يعد مجرد مشكلة عسكرية أو أمنية مؤقتة، بل أصبح عبئاً اقتصادياً وسياسياً كبيراً – وإنهاؤه يفتح نافذة لإعادة ترتيب التوازن في المنطقة، ويتيح للولايات المتحدة أن تتحول من وسيط إلى صانع سلام فاعل.

وفي هذا السياق، أصبح من الواضح أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (الذي صاغ الخطة) لا يكتفي بوضع إطار نظري، بل يعمل على ترجمة الضغوط إلى خطوات تنفيذية، منها رفض أي خطوات إسرائيلية أحادية، مثل محاولات ضم أجزاء من الضفة الغربية بدون تنسيق أو موافقة أمريكية.

من جهة أخرى، يلعب الجانب المصري برئاسة الرئيس عبدالفتاح السيسي دوراً محورياً في هذا الحراك، فالقاهرة ليست مجرد وسيط أو منصة لاستضافة الاجتماعات، بل باتت لاعباً تنفيذياً أساسياً في مسار السلام: من استضافتها للمفاوضات، إلى مشاركتها في إعادة إعمار غزة، وتنظيم شكل السلطة الفلسطينية القادمة، وإدخال المساعدات، واستقبال المرضى الفلسطينيين للعلاج في مصر، هذا الدور يؤكد ثبات موقف مصر ودورها الإقليمي وصناعته للسلام.

وتشير الوقائع إلى أن هذه الضغوط المشتركة أسهمت بالفعل في دفع إسرائيل إلى إظهار مرونة أكبر، وإن لم تصل إلى الموافقة الكاملة على كل البنود بعد. من جانبها، تواجه الحكومة الإسرائيلية تحت قيادة نتنياهو حالة سياسية وعسكرية معقّدة: فهي مدعوة إلى تقليص التكاليف المرتبطة بالقتال في غزة، بينما يتم وضعها أمام خيار حقيقي -دولياً وإقليمياً- يتحول من استنزاف إلى تسوية مشروطة.

مع ذلك، يبقى التحدّي الأكبر هو القدرة على تحويل هذا الزخم الدولي إلى تنفيذ واقعي على الأرض. فبينما أعلنت الوثائق والرؤى الكبرى، فإن التفاصيل الجوهرية – كالمرحلة التنفيذية، ومشاركة السلطة الفلسطينية، وإعادة الإعمار، ورفع الحصار – لا تزال عالقة.

في المحصلة، تؤكد هذه التحركات التي تقودها الولايات المتحدة، بتعاون وثيق مع مصر، أن هناك إرادة دولية وإقليمية واضحة لإحداث تغيير حقيقي في مسار الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وأن الضغوط الحالية ليست مجرد ضغط تكتيكي أو مؤقت، بل تمثّل محاولة لتأسيس واقع جديد يقوم على استقرار طويل الأجل، وليس مجرد هدنة. ولكن الطريق لا يزال محفوفاً بالمخاطر، سواء على مستوى الالتزام من جميع الأطراف، أو على مستوى التنفيذ العملي على الأرض.

فإذا نجحت الأطراف في ترجمة ما تم التوافق عليه في شرم الشيخ إلى واقع ملموس، فإنّها لا تفتح فقط صفحة جديدة لغزة، بل تمهّد أيضاً لمرحلة أصعب: مرحلة البناء والمصالحة وإعادة الدمج والشرعية. وإن فشلت، فإن تبعات ذلك ستكون سياسية وأمنية، وربما ستعيد المنطقة إلى المربّع الأول.

في نهاية المطاف، يظهر اليوم بأن مصر والولايات المتحدة تشكّلان ثنائياً استراتيجياً لدفع عملية السلام، يجمع بين النفوذ السياسي، والضغط الدبلوماسي، والحكمة التنفيذية، فالطريق إلى السلام ليس سهلاً، لكنه أصبح أكثر وضوحاً من قبل، والمجتمع الدولي يراقب بدقة قدرة نتنياهو وحكومته على الاستجابة وتحويل الاتفاقيات إلى واقع ملموس يُحقّق الاستقرار للشعب الفلسطيني وللمنطقة بأسرها.