أول شهيد في حرب غزة.. نبوءة تحققت ومُسيّرة أنهت حياته قبل أن يسمع دوي الانفجارات

كتب: محمد عبد العزيز

أول شهيد في حرب غزة.. نبوءة تحققت ومُسيّرة أنهت حياته قبل أن يسمع دوي الانفجارات

أول شهيد في حرب غزة.. نبوءة تحققت ومُسيّرة أنهت حياته قبل أن يسمع دوي الانفجارات

كان فجر السابع من أكتوبر قبل عامين هادئًا، ففي حي النصيرات شمالي قطاع غزة، بدأت الشمس تتسلل تدريجيًا فوق المباني، الهواء يحمل رائحة البحر ممزوجًا ببدايات فصل الخريف، تلك المرة، كانت الأخيرة التي استنشق فيها الفلسطينيون هواءً طيبًا، خرج الفلسطيني عمر فارس أبو شاويش من منزله لممارسة رياضة الجري كعادته، لكنه، لم يعد إلى أسرته مرة أخرى.

عمر فارس أبو شاويش، هو أول شهيد في حرب الإبادة الجماعية، والتي شنتها إسرائيل على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر وحتى وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، يبلغ من العمر 36 عامًا، ويعمل مدير إدارة في اللجنة الشعبية للاجئين التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، متزوج ولديه طفلة، تدعى إيلينا، وهو شاعر وكاتب فلسطيني وناشط مجتمعي، ويعيش بمخيم النصيرات بقطاع غزة.

خرج «عمر» مع ساعات الفجر، لم يكن يعلم حينها أن حماس شنت هجومًا غير مسبوقًا استهدف مستوطنات غلاف غزة وكبد إسرائيل خسائر فادحة، ودون أن يعلم أن استشهاده سيكون بداية «شلال الدم» في غزة، وأنه سيسجل ضمن قوائم وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، كأول شهيد، ليس مجرد رقمًا، بل قصة حياة، كانت منها البداية.

استهدافه المفاجئ، أثناء ممارسة الجري، لم يقتل فقط جسده، بل أعلن بداية معركة طويلة من الخسائر التي ستحل بالمدنيين الفلسطينيين في القطاع «المكلوم»، كل من يعرف «عمر» يشعر بالفقد بطريقته، كل شارع، كل زاوية في النصيرات، تذكره، كأول من سقط بالنيران الإسرائيلية.

الساعة الثامنة و10 دقائق صباحًا، وصل عمر إلى مستشفى الأقصى، الطاقم الطبي كان في حالة تأهب قصوى، لكن لم يكن هناك ما يمكنهم فعله لإنقاذه، فعمر وصل شهيدًا، وسجلات المستشفى وثقت وصوله كأول شهيد في الحرب الحالية على غزة، ليصبح اسمه محفورًا في بداية مأساة ستطال غزة بأكملها.

لم يكن عمر مجرد رقم في قائمة الشهداء، كان شاعرًا وكاتبًا، له مؤلفات وروايات تحكي حياة الناس العاديين في غزة، ويعكس في كتاباته صراعاتهم وأحلامهم الصغيرة.

لم يكن تأكيد هوية أول شهيد في حرب السابع من أكتوبر أمرًا يسيرًا وسط فوضى الانفجارات وسقوط المئات في الساعات الأولى، على مدى أيام، تتبعنا السجلات الطبية، واتصلنا بمصادر متعددة داخل وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، لمراجعة التوقيتات الرسمية وأسماء من وصلوا إلى المستشفيات صباح ذلك اليوم.

عمر

عمر فارس.. أول شهيد في حرب الإبادة الجماعية

وفي النهاية، حُسم الأمر رسميًا، أكدت وحدة المعلومات الصحية بوزارة الصحة الفلسطينية، لـ«الوطن»، أن عمر فارس هو أول من سجل في قوائم الشهداء في صباح السابع من أكتوبر، بعد وصوله إلى المستشفى عند الساعة الثامنة وعشر دقائق، وهو ما تثبته القوائم الرسمية المعتمدة لدى الوزارة، ليحمل بذلك الرقم الأول في السجل.

أصيب «عمر» بشظايا صواريخ أطلقتها القوات الإسرائيلية، وظل ينزف حتى الموت في منطقة نائية ومهجورة، في وقت، لم يكن أحد يعلم ماذا يحدث في غزة، استشهد بهدوء، تاركًا خلفه حكايات لا تنسى.

وبعد استشهاده، نعته وزارة الثقافة الفلسطينية والاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين، وحصل عمر على جوائز عديدة نظرًا لجهوده في المجتمع المدني والشعر وكتابة الروايات، أبرزها جائزة «أفضل أغنية وطنية للعام 2007» ضمن المهرجان الدولي للأغنية الوطنية والتراث في الأردن، وجائزة «قلم الشعراء الدولية»، عام 2007 في باريس.

سناء أبو رحمن، زوجة الشهيد عمر، تقول خلال حديثها مع «الوطن»، واصفة تلك اللحظات بأنها «تحفظها عن ظهر قلب»، إن صباح السابع من أكتوبر لم يكن مختلفًا عن غيره، إلا في شيء واحد، أنه لم يكتمل، استيقظ عمر باكرًا، توضأ، وخرج إلى المسجد القريب لأداء صلاة الفجر، عاد كالمعتاد، وأيقظني وقال: «خلي بالك من إيلينا، خليكي جنبها، ما تصحاش تلاقينا مش هنا فتخاف».

وداع قبل أول استهداف إسرائيلي لقطاع غزة

قبّل «عمر» يد زوجته، ونظرت إليه بابتسامة، بدا كعادته مطمئنًا، كأنه يودعها دون أن يتفوه بالكلمات، قرأ ورد من القرآن الكريم، وارتدى ملابس الرياضة، وحمل في جيبه القليل من المال ليشتري الفطار في طريق عودته، ثم خرج.

خرج ولم يعد

خرج «عمر»، قبل القصف الإسرائيلي، كانت الساعة السادسة و15 دقيقة، وبعد خروجه بـ10 دقائق فقط، اهتز الحي كله بأصوات الصواريخ: «اتصلت به فورًا لكن الخط كان مشغولًا، أعدت الاتصال، لكن هذه المرة لم يُجب، ثم اتصلت مرة أخرى وكانت رنة الهاتف طويلة ولم يرد أيضًا».

تقول إنه اتصلت بوالده، ثم بشقيقه، قالت لهم: «عمر خرج من البيت وما بيردش، شوفوه، يمكن صار شي»، مرت الدقائق ببطء قاتل، ثم جاء الصراخ من الطابق السفلي - حيث شقة أسرة «عمر» - فأسرعت بالنزول، فطمأنها شقيقه: «ما تقلقي، عمر انصاب»، تضيف: «لكن قلبي لم يصدق».

بعد ساعة أو أكثر تقريبًا، علمت بوجوده في المستشفى بخبر استشهاد زوجها، وكان هو، أول شهيد يصل مستشفيات قطاع غزة، كان ذلك في الساعة الثامنة و10 دقائق صباحًا: «دخل عمر مستشفى الأقصى في دير البلح، كأول من وصل من بين شهداء».

عمر

وصل إلى المستشفى شهيدًا

كتب الأطباء في تقرير استشهاده، إنه وصل إلى المستشفى دون ملامح حياة، أُصيب بصاروخ من طائرة مسيرة أثناء ممارسته رياضة الجري على طريق الزوادي، قبل أن يصل البحر، شظايا في الرأس، في الرجل، وفي الظهر.

أول امرأة تفقد زوجها في غزة

تعد سناء، أول امرأة في غزة تفقد زوجها في الحرب الإسرائيلية على، لم تكن تعلم أنها أمام حرب إبادة، فلم يكن أحد مستعدًا لذلك، تصف لحظة استشهاده قائلة: «كنت كمن يسقط من علوّ ولا يجد الأرض، لا صراخ يكفي، ولا دموع تشرح، استقبلت الموقف بصدمة كبيرة، لو كان استشهاده في نص الحرب كان ممكن نستحمل، لأن لما الحرب بدأت كان كل واحد روحه على كفه ومستعد لخبر استشهاد أي حد من أفراد أسرته».

آلام أخرى عاشتها «سناء».. النزوح والجوع

بعد استشهاد زوجها، عاشت «سناء» رحلة أخرى من الألم مع استمرار الحرب، وهي النزوح، وصفته بأنه «اقتلاه الروح ومواجهة المجهول»، تقول: «النزوح بالنسبة لأهل غزة ليس مجرد حركة من مكان إلى آخر، كنت أخشى النزوح أكثر من الموت نفسه، في كل مرة ننزح كنت أسأل نفسي، أين أذهب وحدي مع ابنتي؟ وكيف؟ وكيف سنعيش».

افتقاد «عمر» خلال العدوان الإسرائيلي الذي استمرت سنتين

خلال رحلات النزوح المتكررة، افتقدت «سناء»، وطفلتها «إيلينا»، زوجها، فكانت الأزمات تحتاج إلى وجوده بينهما، وعانى «عمر» منذ أكثر من عام من مرض العصب السابع، وكان يدرك أن الحرب قادمة، وقال لزوجته أكثر من مرة إن الحرب قادمة، تقول: «كان يدرك أن الحرب قادمة، كان عنده وعي وثقافة واطلاع دائم على الأخبار، وكان يقول لي دايمًا إن الحرب قريبة، يمكن شعر باستشهاده، بس أنا ما تخيلت إنو ممكن يصير».

لحظة لا تُنسى

تسكت «سناء» قليلًا، وتستعيد لحظة بدت عابرة وقتها، لكنها أصبحت علامة لا تُنسى: «تذكرت موقف لعمر يومها، كان جالس، ساند ظهره على الكنبة، رفع يده وقال لي بابتسامة هادئة، أنا حاسس إني خلاص، قالها وهو مرتاح كأنه بده يرتاح فعلًا».

اليوم، بعد شهور من الحرب، ما زالت سناء تعيش بين صوت الغارات وذكريات عمر، تقول: «الوجع ما وقف عند فقدي لعمر، الحرب كانت طويلة وقاسية، وكل مرة كان في شي صعب أمر فيه كنت أفتقده أكثر، بس جزء كبير بقلبي يفرح له، لأنه يستحق الشهادة وتليق به».

عمر

صباح عادي.. ونهاية غير عادية

لم يكن صباح السابع من أكتوبر مختلفًا عن غيره في بدايته، لكن نهايته حملت ما لم تحتمله غزة من قبل، يقول رامي أبو شاويش، ابن عم الشهيد وصديقه الأقرب، إنه من بين الصواريخ التي ألقتها القوات الإسرائيلية على غزة، سقط واحد منها على الطريق الساحلي في دير البلح، وانفجر قبل أن يدرك عمر فارس أن الحرب قد بدأت بالفعل، يقول «رامي»: «الرواية حسب شهود العيان أن أحد الصواريخ انفجر بالقرب منه، فقتل هو وشاب آخر كان مارًّا بالطريق، وطفلة صغيرة كانت تمر مع والدتها، كان هو أول من ارتقى».

يتنفس «رامي» ببطء وهو يروي: «كنا جميعًا في صدمة، عمر لم يكن مجرد قريب، كان رفيق العمل والكتابة والحياة، عرفته في كل مراحل عمره، كان إنسانًا نادرًا، ومبادرًا، وشاعرًا، وروائيًا، ومدربًا وناشطًا مجتمعيًا، من يعرفه يعرف أنه لا يتكرر».

رواية على قيد الموت.. كيف تقتلع إسرائيل حياة الفلسطينيين؟

في عام 2016، كتب عمر رواية حملت اسم «على قيد الموت»، بين سطورها، كتب تفاصيل عديدة حدثت بالفعل في حرب السابع من أكتوبر، وأقيم حفل ضخم لتوقيعها في فندق على البحر رعته اللجنة الشعبية للاجئين، والتي كان يعمل «عمر» سكرتيرًا لها، ووصف في روايته، كيف تقتلع إسرائيل حياة الناس الصامدين، ويربطها بالخيمة، والمرأة، والكحل، والحنين، وكأنه بيوثق نكبة جديدة متوقعة لم تحدث أثناء كتابة تلك الكلمات.


مواضيع متعلقة