رفيقة رحلات النزوح.. الجدة أنعام تروي قصصا من تحت الركام لتواسي أطفال غزة

كتب: ندى قطب

رفيقة رحلات النزوح.. الجدة أنعام تروي قصصا من تحت الركام لتواسي أطفال غزة

رفيقة رحلات النزوح.. الجدة أنعام تروي قصصا من تحت الركام لتواسي أطفال غزة

في ظل الحرب الدائرة على غزة، استعادت الجدات دوراً قديماً طالما ارتبط بالذاكرة الشعبية الفلسطينية، إذ عادت الحكايات الشعبية لتصبح وسيلة للترفيه والدعم النفسي للأطفال بعد غياب الأجهزة الذكية وصعوبة الاتصال بالإنترنت، فهذه الحكايات التي كانت تروى قبل النوم مثل قصة ليلى والذئب أو حكايات جحا، تحولت اليوم إلى وسيلة لتخفيف الخوف ومواجهة القلق من أصوات القصف والانفجارات.

الحكاية الفلسطينية بين الماضي والحاضر

الجدة أنعام الطويل، التي ورثت قصصاً من أمها وجدتها، تؤكد أن الحكايات لم تعد مجرد وسيلة للنوم بل أداة لتشتيت انتباه الأطفال عما يحدث حولهم، ففي الوقت الذي كان فيه الأطفال قديمًا ينامون هانئين على وقع القصص، باتوا الآن يطرحون أسئلة قاسية أثناء الحكاية: هل سيسقط الصاروخ فوق رؤوسنا؟ هل سنُجبر على النزوح جنوباً؟ وهل هناك أمان في أي مكان؟ بحسب وكالة Jinha Agency.

من خلال تجربتها مع أحفادها، تؤكد أنعام أن القصص الشعبية أحياناً تؤنس الأطفال في غزة فيستمعون لها حتى نهايتها، وأحياناً تقطعها أسئلتهم القاسية: «هل سننزح جنوب القطاع؟ هل سيقتلنا الجنود إذا بقينا هنا؟ وهل سيتركوننا نعيش بسلام لو ذهبنا إلى الجنوب، أم أن الطائرات والدبابات ستلاحقنا؟».

وتشير إلى أن الصغار باتوا يبتكرون حكاياتهم الخاصة، يضعون أنفسهم فيها كأبطال يبحثون عن الحماية المفقودة، فتسمع الأكبر سناً بينهم يروي كيف حاصرهم القصف داخل مستشفى «الشفاء» بينما المبنى يحترق، وكيف ساروا حفاة بعد ترحيلهم والدبابات تطوق الطريق من جانبيه.

رفيقة رحلات النزوح

لم يكن الأطفال يطلبون قصة بعينها، بل تختار لهم أنعام حكايات تحمل قيماً ودروساً للحياة، تقول: «كنت أحكي لهم مثلاً قصة الدجاجة التي خبأت الطعام في الشتاء، ليعرفوا أن من لم يجمع الحطب لن يخبز الدقيق، ومن لم يلحق شاحنة المياه لن يشرب»، الأطفال يستوعبون العظة ويطبقونها في تفاصيل يومهم القاسي.

وتوجه أنعام نصيحة للأمهات بعدم ترك الصغار فريسة لأحاديث النزوح والموت التي تفوح من كل خيمة ومنزل مدمر، ترى أن إشغالهم بالألعاب البسيطة أو الحكايات الشعبية يخفف من وطأة الرعب، خصوصاً لدى الفتيات اللواتي يحتفظن بتفاصيل القصة وينقلنها من جيل إلى جيل، لتصبح الذاكرة المشتركة للأم أو الجدة إرثاً حيّاً للابنة والحفيدة.

حكايات الصمود تروى لأطفال غزة

الحكايات نفسها تغيرت، لم تعد شخصياتها مقتصرة على الأبطال التقليديين، بل أصبح الأطفال ينسجون قصصاً يكونوا فيها أبطالاً داخل المشافي والخيام تحت وابل القصف، حتى أن إحدى القصص انقطعت فجأة حين اخترقت رصاصة خيمة وأصابت حفيد أنعام في عينه، ليصبح الألم جزءاً من الحكاية التي يرويها الطفل لأقرانه.

بهذا المعنى، لم تعد الحكاية الشعبية مجرد موروث ثقافي أو أداة للتربية، بل صارت انعكاسًا لواقع الحرب وتجربة يومية يعيشها الصغار والكبار معاً، ففي قطاع غزة اليوم، تختلط الحكاية بالرصاصة، ليولد نوع جديد من السرد الشعبي، يخلد وجع جيل ويعكس صموده في مواجهة العنف.