الأبنودي

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

يصعب أن نعجب بعمل فني خلاب خاصة في مجال الأغنية الشعبية بدون أن يكون وراءه عبد الرحمن الأبنودي، الأبنودي الشاعر الذي يشبه تراب الصعيد الذي خرج منه؛ صلبا كالنخلة، دافئا كأم تنتظر أبناءها على عتبة الدار.

حمل في روحه رائحة الطين وعبق الحقول، وفي كلماته أنين السواقي وصوت الفلاحين مع الفجر، لم يكن شاعرا يكتب بالكلمات، بل بألحان الحياة نفسها، حين تقرأه، تشعر أن صوته يخرج من قلب مصر، من قنا إلى الإسكندرية، من النيل إلى الأغنية.

في زمنٍ كانت فيه الأغنية المصرية تبحث عن نفسها، جاء الأبنودي ليمنحها روحها الشعبية، لم يكن يجمل الكلمة، بل يخلصها من الزينة الزائدة، ليعيدها كما هي في فم البسطاء، صافية، صادقة، حقيقية، كتب للصعيد أغنياته، فصارت على لسان الوطن كله، كانت لهجة الجنوب عنده موسيقى بحد ذاتها، فيها دفء الشمس وهدوء الليل ووجع الغربة.

حين اختطفه عبد الحليم حافظ، التقى الصوت بالكلمة، فانبثقت أغاني الثورة والوجدان: عدى النهار، أحلف بسماها، أحضان الحبايب، كانت كلماته تسير على لحنٍ يشبه دقات القلب، وكان صوته هو وجدان الشعب في لحظة الانكسار والأمل.

لم يكن الأبنودي يكتب لمطرب، بل يكتب لمصر، وكان يراها امرأة بسيطة في ثوب من القطن، تبتسم رغم العناء، وتغني رغم الوجع.

لم تقتصر قصيدته على الحب والأرض، بل امتدت إلى المقاومة حين اشتعلت حرب الاستنزاف. كتب للجنود وللعمال وللنساء في بيوت السويس المهدمة، فكانت كلماته رصاصا من نور وصبر في وجه الظلام واليأس.

أنشدت فرقة «أولاد الأرض» أغانيه في الميادين، كانت الناس ترددها لا بوصفها أناشيد، بل بوصفها حياة كاملة.

كان الأبنودي يؤمن أن الشعر إذا لم يحمل الوطن في قلبه، فقد روحه، في قلب السنوات العاصفة، كان جمال عبد الناصر حاضرا في قصيدته مثل أب يحرس الحلم.

كتب الأبنودي عن الزعيم كما لم يكتب أحد، بحب ابن يرى في قائده صورة من أبيه. وبعد رحيل ناصر، صرخ بشعره: يعيش عبد الناصر حتى في موته.

كانت قصيدته نحيب أمة فقدت بوصلة قلبها، لم يكن الأبنودي يكتب رثاء، بل كان يوثق وجع الناس في لحظة الصمت الطويلة التي تلت صوت الزعيم.

لم يكتفِ الأبنودي بالأغنية، مضى يوثق السيرة الهلالية، الملحمة التي تمتد جذورها في عمق الوجدان العربي. جاب البلاد والقرى، جلس إلى الرواة والمغنين الشعبيين، يسجل ويحفظ ويروي.

كان يرى في كل بيت حكاية، وفي كل زاوية وطنا صغيرا، أعاد إلينا صوت البطل الشعبي الذي لا يموت، ووهب السيرة حياة جديدة تنبض حية بعد أن كانت تعيش في الذاكرة.

كان الأبنودي شاعر التراب والماء، شاعر الجنوب والناس، شاعر العشاق والثوار، شاعر الشعب والوطن، جمع بين البساطة والعمق، بين الحنين والحقيقة، جعل من الأغنية الشعبية جسرا يعبر من الماضي إلى المستقبل، ومن الذاكرة إلى الخلود.

يبقى الأبنودي النبض الحي لأغنية مصر ، فهو لا يزال يدق في كل قلب يحب هذه الأرض ويغني لها.