«العمولة السرية» للموظف حرام ولا حلال؟.. المفتي يوضح الحكم الشرعي
«العمولة السرية» للموظف حرام ولا حلال؟.. المفتي يوضح الحكم الشرعي
حسمت دار الإفتاء المصرية الجدل الدائر حول الممارسات المالية في بيئة العمل، موضحة الحكم الشرعي المتعلق بحصول الموظف على نسبة أو عمولة شخصية من الشركات التي يشتري منها لجهة عمله، وذلك بعدما تلقت الدار سؤالاً جاء فيه: «هل يجوز للموظف في جهة ما أن يحصل على نسبة أو عمولة لنفسه من شركة يشتري منها لصالح جهة عمله؟ وهل يُعدّ هذا من قبيل الهدية المشروعة؟».
حكم أخذ الموظف عمولة
وأجاب عن السؤال الدكتور نظير عياد مفتي الجمهورية، قائلًا إنَّه يحرُم على الموظف في جهة ما أن يحصُلَ على نسبة أو عمولة من شركة يشتري منها لصالح جهة عمله دون علم جهة عمله بذلك وإذنها له فيها، وأخْذُها حينئذ يُعدُّ خيانة للأمانة وأكلًا للأموال بالباطل.
الأمانة في الإسلام
وتابع المفتي عبر موقع دار الإفتاء أن تعاليم الإسلام وشرائعه عبارة عن منظومة متكاملة تضبط سلوك الإنسان وتصرفاته في جميع شؤون الحياة، ومن جملة هذه التعاليم أن يكون المسلم أمينًا، فإذا أُقيم في شيء أو عليه قام بعمل ما يجب، وأدَّى دوره على مقتضى الأمانة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب: 72]، والأمانة هنا عامة، أي: يجب أن يحفظ الأمانة من غير خيانة في كل شيء.
الإسلام حث على الأمانة في العمل
وأكّد مفتي الجمهورية أنَّ كل مسلم مأمورٌ شرعًا بحفظ الأمانة وأدائها، سواء كان موظفًا أم صاحب عمل أم غير ذلك، والموظف بشكل عام يربطه بجهة عمله عقد إجارة، وإذا كُلِّفَ من قِبل هذه الجهة بعمل من الأعمال فيتردد الأمر حينئذ بين كونه أجيرًا أو وكيلًا، وفي كلا الحالين هو مطالب بأن يكون أمينًا مبتعدًا عن خيانة الناس في أماناتهم وأموالهم، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27].
وواصل: أما بخصوص حصول الموظف على نسبة من المال أو عمولة لنفسه من الشركة التي كلفته جهة عمله بشراء شيء منها، فهذه العمولة أو النسبة إما أن يكون قد نُصَّ عليها من جهة عمله وأذنت لها فيها أو لا، فإذا نُصَّ عليها فلا خلاف في جوازها، أما إذا لم يُنصَّ عليها ولم يُؤذَن له فيها فالموظف إما أن يكون أجيرًا بأن كانت هذه طبيعة عمله على الدوام، وإما أن يكون وكيلًا بأن يُكلف بشراء صفقة معينة، وقد يكون في الحالين أجيرًا وقد يكون فيهما وكيلًا، وفي الحالين يحرم عليه أن يأخذ هذه النسبة أو ما تسمى بالعمولة.
ووجه ذلك حال كونه أجيرًا أن الإجارة هي: «عقدٌ على منفعةٍ مقصودةٍ معلومةٍ قابلة للبَذل والإباحة بعِوَضٍ مَعلوم»، ويظهر من ذلك أن العوض عن إجارته معلومٌ، أي: أنه ليس له أن يأخذ إلا ما اتُّفق عليه فقط سواء ممن أجَّرَه أو بسببه؛ لأنه مُؤجرٌ لصالح جهته فقط، وإذا أخذ من الجهة الأخرى فهذا يجعل عمله لأجل جهة أخرى لا مؤجِّره وحسب، والحال أنه ليس مشتركًا بين الجهتين.
بالإضافة إلى ما جاء من النصوص الشرعية التي تمنع الموظف الذي هو أجير أو عامل من أخذ أموال من غير جهته بسبب ما كلفته به جهتُه، ومنها ما جاء عن أبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيّ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا بَالُ العَامِلِ نَبْعَثُهُ فَيَأْتِي يَقُولُ: هَذَا لَكَ وَهَذَا لِي، فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا يَأْتِي بِشَيْءٍ إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ» متفق عليه.
وأكّد الدكتور نظير عياد حرمة أخذ النسبة أو العمولة؛ لأنَّه إذا كانت الهدية التي تباح في أصلها أو تُندب لا يجوز للعامل في جهة عامة أن يأخذها بسبب عمله، فإن حال العمولة أو النسبة أشد في الحظر والمنع بالأولى، أما وجه الحرمة حال كونه وكيلًا: أنه ليس مأذونًا له في ذلك كما هو الاحتمال الثاني محل كلامنا، والوكيل يده يد أمانة فلا يجوز له في هذه الحال أن يأخذ شيئًا أو أن يتصرف فيه ما لم يأذن له الموكِّل
ومن ذلك يظهر أن أخذ عمولة أو نسبة من الشركة التي يشتري منها الموظف لجهة عمله لا يُعدُّ من قبيل الهدية المشروعة؛ لأنه لا يستطيع أن يأخذ هذا المال إلا بوظيفته هذه، فالشركة لا تعطيه هذا المال إلا لغرض إعانتها على استمرار التوريد أو غيره مما يكون حقًّا أو باطلًا، وهذا مما نص الفقهاء على منعه، وعلى كل ذلك فأخذ الموظف الحكومي هذه النسبة والعمولة من الشركة التي يشتري منها لصالح جهة عمله خيانة للأمانة، وهو من قبيل أكل الأموال بالباطل، وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: 29]. فضلًا عن أنه بهذا يكون قد أخلَّ بشروط عمله، وهذا أمر ممنوعٌ شرعًا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» أخرجه الإمام أبو داود في سننه"
بالإضافة إلى أن المسلم مأمورٌ ألا يقبل رزقه أو يطلبه بمعصية الله تعالى، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «...فاتَّقُوا اللهَ وَأَجمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحمِلكُمُ استِبطَاءُ الرِّزقِ عَلَى أَن تَطلُبُوهُ بِمَعَاصِي اللهِ، فَإِنَّهُ لَا يُنَالُ مَا عِندَهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ» أخرجه الأئمة: ابن أبي شيبة، والحاكم، والبَيهَقِي في شعب الإيمان. والله سبحانه وتعالى أعلم.