فاروق حسني «صاحب الفكرة».. رحلة إبداع وإصرار لتدشين المتحف المصري الكبير
فاروق حسني «صاحب الفكرة».. رحلة إبداع وإصرار لتدشين المتحف المصري الكبير
المتحف المصرى الكبير رحلة مثيرة وطويلة، فصولها امتدت لحقبة زمنية كبيرة بين الفكرة والحلم، والتصميم والإنجاز، لأنها إحدى أكثر صفحات التاريخ الثقافى المصرى حداثة وإشراقاً، فالمشروع العظيم لم يكن مجرد استجابة لحاجة معمارية أو سياحية، بل كان منذ لحظته الأولى تجسيداً لوعى وزير الثقافة الأسبق الفنان فاروق حسنى بأن مصر، وإن كانت تُوصَف أحياناً بأنها دولة نامية اقتصادياً، فهى «دولة عظمى ثقافياً» بلا منازع، ومن هذه المقولة انطلقت شرارة الحلم، من حوار عابر فى مدينة أوروبية بين وزير مصرى وفنان عالمى، لتتحول الكلمات إلى مشروع حضارى ينافس أعظم متاحف العالم.
وفى كتابه «فاروق حسنى يتذكر.. زمن من الثقافة»، كشف الفنان الكبير عن كيفية تحول الاستفزاز إلى رؤية، والرؤية إلى مشروع، والمشروع إلى أيقونة خالدة على أرض الجيزة، على مقربة من الأهرامات، لتُعيد مصر صياغة ذاكرتها الحضارية وتقدّمها للعالم بثوب جديد.
وبعد أن تحولت الفكرة إلى واقع وحدث تاريخى ينتظره العالم أجمع يحق للفنان فاروق حسنى، وزير الثقافة الأسبق، أن يشعر بالفخر بتحقّق حلمه فى أن يكون لدى مصر أكبر متحف للحضارة الفرعونية فى العالم، يُجسّد الحلم واقعاً ملموساً بعد ما يزيد على ثلاثين سنة منذ أن كان فكرة تفوه به لسانه فى لحظة مُلهمة، فى حوار مع أحد أصدقائه الطليان خارج مصر، عن المتحف المصرى بالتحرير، الذى تتكدّس فيه قطع الآثار بشكل يحول دون الاستمتاع بجماليات الأعمال الأثرية بصورة مناسبة.
«مصر قد تكون دولة نامية اقتصادياً أو سياسياً، لكنها ثقافياً دولة عظمى»، هذه القناعة الراسخة كانت هى المحرك الأول للفنان فاروق حسنى، خلال ربع القرن من الزمان تولى فيها إدارة الثقافة المصرية من عام (1987 - 2011)، وفى هذه الفترة أولى «حسنى» اهتماماً لافتاً بملف الآثار، ومن بين قضايا الثقافة التى شغلته فى هذه الفترة عموماً وملف الآثار خصوصاً تمخّضت فكرة إنشاء المتحف المصرى الكبير، أهم المشروعات الثقافية العالمية التى تحمل فكر ورؤية وحلم فاروق حسنى.
وزارة فاروق حسنى شهدت إقامة 42 متحفاً من المتاحف النوعية والأثرية والفنية، من شمال مصر إلى أقصى الجنوب، حيث كان يرى فى هذه الفترة أن مصر بلد حضارة يمتلك تراثاً ثقافياً هائلاً لكن أغلبه بالمخازن، وحتى المتاحف القليلة القائمة كانت أقرب إلى المخازن. وتمت إعادة صياغة وتطوير المتحفين الإسلامى والقبطى ومتحف دار الكتب، وإقامة متاحف جديدة هى النوبة والتحنيط وميربتاح وخبيئة الأقصر، ومتحف مجد طيبة وطنطا والوادى الجديد والمنيا وسوهاج والعريش وشرم الشيخ، ومتحف مكتبة الإسكندرية، ومتحف فيلا الطيور بالإسكندرية، ومتحف الخزف الإسلامى، ومتحف النسيج بكوم أمبو، ومتحف التماسيح، ومتحف الطيور، وإيمحوتب فى سقارة، بالإضافة إلى متحفين من أعظم متاحف العالم، هما متحف الحضارة والمتحف الكبير.
فكرة المتحف الكبير اختمرت فى رأس الوزير، فقد رأى أن مصر بما تملكه من آثار وتاريخ حضارى لا بد أن تحوز أكبر متحف فى العالم، ووقع مكانه ليكون بجوار الأهرامات الخالدة، وأجريت مسابقة عالمية لتصميم مبناه تُركز على دمج الهوية المصرية القديمة مع الحداثة.
ضمن سيرته التى سجّلها فى كتابه «فاروق حسنى يتذكر.. زمن من الثقافة» يأخذنا «حسنى» فى رحلة شيقة من متحف التحرير إلى أحلام المتحف الكبير، ليُقدم شهادة للتاريخ من رجل عايش الزمنَين: زمن البناء والتأسيس، وزمن التحولات والانعطافات الكبرى، ليروى قصة المتحف الكبير فى مشاهد حية مكثّفة.

الفصل الأول يمكن أن نُطلق عليه «لحظة الاستفزاز.. كيف وُلد عملاق الجيزة من سؤال ساخر؟»، حيث يشحذ «حسنى» ذاكرته بشأن اللحظة التأسيسية للمشروع الأضخم فى تاريخ المتاحف العالمية، المتحف المصرى الكبير، فيقول: «كنت أشعر دائماً بإحباط كلما زُرت المتحف المصرى الحالى فى ميدان التحرير، وكنت أخرج منه مُتعباً، مصاباً بصداع شديد، بسبب الزحام الشديد والطريقة غير الملائمة لعرض القطع الأثرية، التى كانت تُوضع بشكل متقاطع، وهو ما يخلق شعوراً بالتشويش، ويمنعك من تذوق جمال كل قطعة على حدة، لأن الفراغ الوحيد هو الذى يمنحك الفرصة الحقيقية للتذوق».
وتابع: «الشرارة التى أشعلت الفكرة كانت فى لحظة استفزاز حقيقية، كنت فى زيارة خارج مصر، والتقيت أحد كبار الشخصيات الإيطالية، وهو مهندس معمارى مرموق له دار نشر كبيرة، فسألنى سؤالاً ساخراً: «ماذا ستفعلون فى المخزن الخاص بكم؟، فى إشارة إلى متحف التحرير، هذا السؤال استفزنى جداً، وقرّرت على الفور أن أرد بطريقة عملية، فقلت له على الفور ألا تعلم أننى سأبنى واحداً من أكبر متاحف العالم؟. سألنى: «وأين سيكون؟» فأجبته دون تردّد: «فى مصر». كان رد فعله مفاجئاً، حيث قال لى: إذا كنتم جادين، فسأحضر لك التمويل من إيطاليا، كان الرجل جاداً، فهو صديق لرئيس الوزراء الإيطالى الأسبق «أندريوتى»، وفرحت كثيراً، وقلت له: «مستنيك فى القاهرة».
الفصل الثانى من حلم «حسنى» تمحور فى حلم يواجه الواقع.. ففى لقاء مع الرئيس الأسبق حسنى مبارك كان السؤال المصيرى: «التمويل منين؟». وروى فاروق حسنى بتفصيل دقيق اللحظة التى نقل فيها الفكرة إلى الرئيس مبارك، فى مشهد يجمع بين الحلم الثورى والواقعية السياسية، قائلاً: «بعد عودتى إلى مصر، وحضور صديقى الإيطالى، توجّهت على الفور إلى الرئيس مبارك وقلت له: يا ريس، نحن نريد إنشاء أكبر متحف فى العالم، فنظر إلىّ الرئيس مبارك نظرة واقعية، وسألنى السؤال المصيرى: إزاى يا فاروق؟ وهنجيب له فلوس منين؟».
لم يكن فاروق حسنى ينوى التراجع عن الحلم الذى أشهد عليه الصديق الإيطالى، فجاء رده على الرئيس مبارك مستمداً من إيمانه الراسخ بأن الأعمال العظيمة تجد دائماً طريقها للتمويل، ولم يتردّد الرئيس طويلاً، لقد أدرك جدية الفكرة وأهميتها، فقال «go ahead»، وكانت هذه الكلمة بمثابة الضوء الأخضر لبدء الرحلة.
الفصل الثالث يدور حول «البحث عن الأرض الموعودة.. رحلة فى الصحراء مع الرئيس والمشير»، وهذه الرحلة صوّرها فاروق حسنى بكلمات قال فيها: «بدأت رحلة البحث عن الأرض المناسبة، فى البداية اقترحنا أرضاً على طريق الفيوم، لكنها لم تكن مثالية، كانت هناك عقبة كبيرة، وبعد يومين نزلنا أنا والرئيس مبارك والمشير طنطاوى إلى المنطقة المحيطة بالهرم، كنا نتجول فى الرمال، وفجأة.. بدت أهرامات الجيزة فى الأفق، كانت لحظة مهيبة قال الرئيس: «ما رأيك فى هذه الأرض؟» فقلت: «هايلة.. ناخدها». ثم أمر بإصدار قرار التخصيص فوراً، وكانت الأرض التى اختيرت أجمل بكثير، لأن خلفيتها هى الأهرامات نفسها، لقد دخلت الأهرامات فى تكوين المتحف منذ اللحظة الأولى».
الفصل الرابع يتحدث حول «من متحف إلى منارة عالمية.. رؤية تتجاوز عرض الآثار»، فبدأ فاروق حسنى فى هذه الأثناء فى عقد مناقشات مع المختصين، كان يشعر بأنه مشروع ضخم وخطير، وتحدّث مع صديقه الإيطالى أيضاً، وتم عمل مسابقة لاختيار المعمارى الذى صمّم المتحف المصرى من قِبل لجان دولية تضمّنت اللجنة المعمارية الدولية واليونيسكو والوزارة، وهم من اختاروا التصميم، والإعلان عن المشروع الفائز بتصميم المتحف وتسليم الجائزة المالية، وقدرها 250 ألف دولار آنذاك.
وقال: «هو ليس مجرد متحف، وإنما يجب أن يكون مؤسسة ثقافية اقتصادية من الطراز الأول تستلزم إرسال بعثات من الشباب إلى الخارج ليتدرّبوا على كيفية التعامل مع الأثر، ويكون لديهم الوعى بأهمية عملهم».
لم تكن رؤية فاروق حسنى تقتصر على إنشاء مبنى ضخم لعرض الآثار، بل كانت أكثر طموحاً وأبعد نظراً، وهى رؤية تمتد إلى متحف التحرير، وبعد ذلك بدأ فى وضع خطة عمل لتنفيذ المشروع، وتضمّنت الخطة بنداً عن تحويل متحف التحرير إلى مركز دولى لعلم المصريات، على غرار مدرسة اللوفر، على أن تكون به قاعة معارض متغيرة لقطع أثرية منتقاة، وقاعة سينما، ومسرح، وقاعات للقاءات الفكرية.
كانت هناك رؤية شاملة فى ذهن فاروق حسنى للمنطقة المحيطة بالمتحف، الذى تحدّد عام 2012، موعداً لافتتاحه، وعن ذلك قال: «قبل افتتاح المتحف لا بد من تطوير منطقة الأهرامات وفيصل جذرياً، وتتولى تأمين المتحف جهة تابعة للقوات المسلحة، لتدير المنطقة أمنياً وسلوكياً، وتمنع دخول الخيالة إلى حرم المتحف، ويتم تخصيص مدخل الفيوم لهم.
وأشار إلى أن التخطيط الذى تم وضعه لتطوير المنطقة كان يتطلب إزالة بقايا الحفائر ونقلها بعيداً عن المكان، ونقل مركب خوفو إلى المتحف، ويمكن تفكيكه وإعادة تجميعه كما فعلها من قبل الأثرى أحمد يوسف، وسيكون مكانه الأكثر بهاءً بالمتحف، أما مقبرة توت عنخ آمون بالأقصر فكان يرى أن وجودها بهذا المكان عبث وعدم تقدير للقيمة. فهل تُقام مقبرة بجوار مقبرة أخرى؟ هذا بعيد كل البُعد عن الفهم والرؤية، والأنسب لها هو وضعها بالمتحف الكبير.
الفصل الخامس تناول «الدعم الدولى.. إيطاليا تدرس الجدوى واليابان تقدّم 300 مليون دولار.. تحول الحلم إلى مشروع دولى»، وأكمل: «توجّهت إلى السفير الإيطالى الذى لم يتردّد فى تقديم الدعم، وقال لى سنعمل لكم دراسة الجدوى، وعندما سألته عن التكلفة، قال: «خمسة ملايين دولار»، وكانت مبلغاً ضخماً فى ذلك الوقت، واستمر العمل على دراسة الجدوى لأربع سنوات، وخرجت إلينا فى ثمانية مجلدات ضخمة، غطت كل شىء، من طبيعة التربة، إلى احتمالات الزلازل والرياح والأمطار».
وتابع: «ثم توجهت إلى السفير اليابانى، فاليابانيون أناس محترمون جداً، لقد قدّموا لنا دعماً مالياً ضخماً بلغ 300 مليون دولار، وهذا ليس قليلاً، فأدركت أن الحضارات العظيمة تتعاطف مع بعضها البعض، لقد خاطبت الحضارة اليابانية العريقة، فاستجابت لدعم الحضارة المصرية». وكشف عن أن التكلفة التقديرية الأولية للمتحف فى التسعينات كانت نحو مليار دولار، وهى تكلفة زادت بالطبع مع مرور الوقت وتعقيدات المشروع.

الفصل السادس كان «ليلة ساهرة.. نقل تمثال رمسيس الثانى وقلق الأمة». فكر «حسنى» وقتها فى مركز الترميم والمخازن بسبب المعاناة من مراكز الترميم الموجودة لدينا ومن المخازن، لذلك خصصنا جزءاً كبيراً جداً للترميم، وعلى أعلى مستوى، يتضمّن عدة معامل، فى المتحف الكبير، وهذا الجزء افتتحته جزئياً حرم الرئيس مبارك فى 2009، وانتهينا من إنشاء محطة المياه، ومحطة الكهرباء، وبدأنا عمل المجسّات والأساسات، وبدأنا بالدور الأرضى.
وفى هذه الفترة كان يجرى اختيار القطع الأثرية التى ستُعرض فى المتحف، وعددها 100 ألف قطعة، لتُمثل مختلف العصور الفرعونية، وبشكل مبدئى تم وقتها اختيار 40 ألف قطعة منها، تُنقل تباعاً إلى المتحف لإعدادها وتجهيزها.
وتوقف الدكتور فاروق حسنى عند واحدة من أكثر العمليات جرأة وتعقيداً فى تاريخ الآثار المصرية، وهى نقل تمثال رمسيس الثانى من ميدانه فى وسط القاهرة إلى موقعه الجديد فى المتحف الكبير فى 2006: «كان نقل تمثال رمسيس الثانى «حدوتة كبرى»، فالكثيرون، وأنا منهم، كنا نتمنى أن يظل التمثال فى ميدان رمسيس، لكن الواقع كان مختلفاً، فالمنطقة أصبحت مختنقة بالسيارات والقطارات، والتمثال قطعة فنية جبّارة لا بد أن تُحاط بالاحترام اللائق».
وتابع: «كان الخلاف حول مكان وضع التمثال فى المتحف، فالبعض أراد وضعه فى الساحة الخارجية، فقلت لهم: المتحف ارتفاعه 40 متراً، والتمثال سيبدو مثل عود كبريت أمام هذا المبنى الضخم، وكان رأيى أن نضعه فى الداخل، فى البهو الرئيسى، ليستقبل الزوار، ويخلق لديهم إحساساً بالرهبة والعظمة منذ اللحظة الأولى».
وواصل: «ليلة النقل لم أنَم، كنت جالساً أمام التلفاز أتابع البث المباشر، قلقى كان شديداً، لأنه لو حدثت أى مشكلة، لكانت كارثة حقيقية، كان الفنان الكبير آدم حنين يسير بجانب التمثال مع الجماهير المحتشدة، وكان المشهد مهيباً، كأن ملكاً عظيماً يستيقظ من سُباته ويسير بين شعبه، ووصل التمثال بسلام، وكانت لحظة انتصار للعقل المصرى والإرادة المصرية».
الفصل السابع: «محطات إنجاز.. الافتتاح الجزئى فى 2009 والتوقف بعد 2011». واصل الدكتور فاروق حسنى سرد تفاصيل الرحلة، قائلاً: «لم ننتظر الانتهاء من المبنى بالكامل لبدء العمل فى عام 2009، وتم افتتاح مراكز الترميم والمخازن الذكية ومحطات الكهرباء والمياه، وكانت هذه مرحلة مهمة لإثبات جدية المشروع، والسيدة سوزان مبارك كانت مهتمة جداً بالشأن الثقافى، وزارت الموقع، واتخضت من الإنجاز والعمل الجاد، هى كانت شخصية داعمة للثقافة بشكل كبير، ومشروع «مكتبة الأسرة» خير دليل على ذلك».
وقال: «كنت ضد فكرة افتتاحه جزئياً، ورأيتها خطأً كبيراً، لأنه لا بد من الافتتاح الكامل له، حتى الاستعداد لهذا الحدث الضخم الذى يجب أن نستغله فى الترويج لمصر، وإقامة حفل افتتاح عالمى بحضور رئيس الجمهورية ورؤساء دول العالم، لكن للأسف، بعد عام 2011، توقف العمل فى المشروع تماماً، كانت فترة محبطة، فالمشروع الضخم الذى كنا نحلم به أصبح شبه متوقف، واستمر هذا الوضع لسنوات، حتى تم نقل المشروع إلى رعاية القوات المسلحة، وبجهود شخصية من اللواء محمد أمين، ثم تابع الرئيس عبدالفتاح السيسى الملف بنفسه».
وعن التأجيل الأخير لافتتاح المتحف، قال الدكتور فاروق حسنى: «أى تأجيل فى صالح العمل، فهناك أعمال ضخمة تتم للافتتاح نفسه، والتأجيل يمنح الفريق الفرصة للإجادة والتجويد، أنا من الناس الذين لا يحبون أن يخرج العمل إلا كاملاً متكاملاً، كما أن التأجيل للخريف فكرة جميلة، ودائماً ما تنجح الأشياء فى الخريف، وكل النشاطات الثقافية العالمية تبدأ فى الخريف، مثل المعارض، والبيناليات، وحفلات الأوركسترا، والمسرحيات، فالخريف هو موسم الفن بامتياز».
وواصل «حسنى» الحديث عن المتحف المصرى الكبير، قائلاً: «المتحف الكبير ليس مجرد مبنى، إنه رسالة تقول إنه مرآة عظيمة لتاريخ رائع، الحضارة المصرية عظيمة ولا تقارَن، والبعض يتحدّث عن أن سياحة الآثار محدودة، وهذا رأى أرفضه، فعندما تذهب وتقف أمام الهرم، تشعر بإحساس لا يمكن أن تحصل عليه فى أى مكان آخر فى العالم، إنه الإحساس بالجلال والعظمة، الإحساس بأنك أمام لغز هندسى وفنى لا يُمكن تفسيره».
وأضاف: «تطوير منطقة الهرم خطوة فى الطريق الصحيح، لكن أتمنى أن نراعى دائماً جمال المنظر واحترام العين، فالطريق الدائرى كان يدخل فى هضبة الهرم، ووقفت ضده بشدة، ووقفت ضد طريق فى سوهاج كان يمر بمعبد أبيدوس، أول عاصمة لمصر الموحّدة، لأن احترام الموقع الأثرى هو احترام لأنفسنا وتاريخنا».
وتابع: «اليوم، وأنا أدخل المتحف الكبير أشعر بسعادة غامرة، أشعر بأن الخيال يتحول إلى حقيقة، هذا الصرح هو حلقة فى سلسلة متصلة من البناء المصرى، بدأها أجدادنا العظام، وواصلها أحفادهم، هو إثبات أن الأمة التى أنجزت هذا، قادرة على أن تُنجز أى شىء، إنه برهان على أن الحلم المصرى مهما طال الزمن، لا يموت».
وواصل: «المتحف الكبير كان آخر ما أتمنى إنجازه فى وزارة الثقافة، كان أحد أحلامى الكبيرة لمصر بكل ما تمتلكه من زخم حضارى وثقافى، وأحد الرهانات الثقافية العالمية، ويجب أن يكون الخيار الاقتصادى، فباستطاعته أن يُحقق عائدات مهمة مادية وثقافية، باعتباره أكبر متاحف العالم، والمتحف الكبير يجب أن يكون رهاننا الأكبر عليه، وسيكون القاطرة الحقيقية لإنقاذ الاقتصاد المصرى».
وأكد أنه «ليس مجرد متحف وإنما يجب أن يكون مؤسسة ثقافية اقتصادية من الطراز الأول، تستلزم إرسال بعثات من الشباب إلى الخارج ليتدرّبوا على كيفية التعامل مع الأثر، ويكون لديهم الوعى بأهمية عملهم».
وفى نهاية الرحلة، يظل المتحف المصرى الكبير شاهداً على لحظة من أنبل لحظات الوعى الثقافى المصرى الحديث، حين تحوّل الحلم الفردى إلى إنجاز وطنى، والرؤية الجمالية إلى مشروع حضارى يتجاوز حدود الزمان والمكان.
لقد آمن فاروق حسنى بأن الثقافة ليست ترفاً، بل هى طاقة بناء ووسيلة للدفاع عن هوية الأمة، وأن من حق مصر، صاحبة أول حضارة عرفها التاريخ، أن تمتلك أكبر متحف فى العالم يليق بتاريخها ويعبر عن عبقريتها، وبعد مرور عقود على هذه اللحظة الملهمة التى انبثقت فيها الفكرة، يقف المتحف الكبير على أبواب الافتتاح الكامل، ليس بوصفه مبنى من الحجارة والزجاج، بل باعتباره نصاً معمارياً مكتوباً بلغة الحضارة المصرية، وسيرة موازية لرحلة البناء والإبداع.