مصر تطلق قوة ناعمة حضارية بافتتاح المتحف الجديد

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

تتعدد عناصر القوة التي تقاس بها قدرات الدول، هناك دول تتمتع بالقوة الاقتصادية، وثانية تمتاز بالقوة العسكرية، وثالثة تذخر بالقوة الناعمة. بعد ساعات قليلة، تطلق مصر سلاحا ثقافيا من أقوى أنواع الأسلحة، يمثل قوة ناعمة فتاكة، ستزيد من قوة الدولة على الساحات جميعا، قوة المتحف المصري الكبير. تعد المتاحف قوة ناعمة مؤثرة للغاية، والمتحف المصري لا يحوي مادة ثقافية أو قوة ناعمة مصنوعة حديثا، إنما يضم بين جنباته وجدرانه قصة حضارة عاشت 7 آلاف عام . حضارة سجلت وجودها على الصخر والجرانيت وفي المعابد والأهرامات.

ليست المتاحف مجرد أبنية من حجر تعرض فيها القطع الأثرية خلف زجاج لامع، بل كائنات حية تنبض بروح الشعوب التي أنشأتها، وتحمل على جدرانها نبض التاريخ وهمس الأجداد. المتحف في جوهره ذاكرة أمة مكتوبة بالضوء والظل. وفي عالم تتبدل فيه موازين القوة من الحديد إلى الفكرة، ومن البندقية إلى الابتكار ، أصبحت المتاحف إحدى أهم أدوات القوة الناعمة؛ تلك التي تغزو العقول لا الحدود، وتفتح القلوب لا الجبهات.

مع بدايات القرن التاسع عشر، أدركت القوى الكبرى أن السيطرة على التاريخ لا تقل أهمية عن السيطرة على الأرض. فأنشأت المتاحف الكبرى لتكون مراكز جذب ثقافي ومعرفي واقتصادي. على سبيل المثال، متحف اللوفر في باريس، الذي يزوره أكثر من عشرة ملايين شخص سنويا، ليس فقط مستودعا للفن الفرنسي، بل رمز للهوية الثقافية لفرنسا، ولصورتها التي تريد أن تقدمها للعالم : دولة تتنفس الجمال، وتقدس الفن، وتحتفي بالإنسان . لم تكتفي فرنسا وغيرها من الدول الكبرى بثرواتها من الفنون، بل اقتنت ثروات شعوب أخرى دعمت بها ساحتها الثقافية . وكذلك المتحف البريطاني، الذي يضم بين جدرانه آثارا من القارات الخمس، يعكس نظرة الإمبراطورية إلى نفسها كحامية للحضارة الإنسانية. أما متروبوليتان نيويورك، فيحمل رسالة أمريكا الحديثة: أن تكون حاضنة لكل ثقافات الأرض، ومركزا للفكر والإبداع في عالم بلا حدود.

القوة الناعمة، كما صاغها المفكر الأمريكي جوزيف ناي، هي القدرة على التأثير والإقناع والجذب بدل الإكراه والتهديد. وهي أداة الدول المتقدمة لبسط نفوذها بوسائل الفن واللغة والتعليم والسينما والسياحة، ومن ثم الثقافة في أسمى معانيها. والمتاحف تقع في قلب هذه المنظومة؛ فهي تجمع بين الذاكرة والهوية والاقتصاد والسياسة في قالب واحد.

حين يدخل الزائر إلى متحف اللوفر أو المتحف البريطاني أو الأرميتاج الروسي في بطرسبورغ، فإنه لا يرى آثارا فحسب، بل يختبر تجربة ثقافية شاملة حيث يشاهد اكثر من ثلاثة ملايين تحفة في مكان واحد، يخرج منها وقد تشكلت لديه صورة ذهنية عن تلك الدولة: عن ذوقها، ورؤيتها للعالم، واحترامها للإنسان. وهذه الصورة تبقى عالقة في ذهنه أقوى من أي حملة إعلامية أو إعلان سياسي .

في عصر الصورة والسرعة، أصبحت المتاحف أدوات دبلوماسية بامتياز. فهي تمارس دبلوماسية الجمال ، وتمنح الدول مكانة أخلاقية وثقافية تجعلها محط الإعجاب والتقدير. فالمتحف حين يقدم تاريخ أمة ما، لا يروي قصتها فقط، بل يمنحها شرعية رمزية أمام العالم، ويعيد رسم حدودها في الوعي الإنساني لا على الخرائط.

في خضم هذا المشهد العالمي، تقف مصر، صاحبة التاريخ الأعمق والذاكرة الأطول، على أعتاب لحظة تاريخية مع افتتاح المتحف المصري الكبير، الذي يعد أكبر متحف أثري في العالم مكرس لحضارة واحدة. هذا الصرح الضخم، الذي يطل على أهرامات الجيزة، ليس مجرد مشروع معماري أو مزار سياحي؛ إنه إعلان ثقافي وسياسي وحضاري بأن مصر ما زالت حاضرة في ضمير الإنسانية، كما كانت دائمًا منذ فجر التاريخ.

إن افتتاح هذا المتحف بمشاركة رؤساء دول وقادة من مختلف أنحاء العالم يرمز إلى عودة القاهرة لتكون عاصمة للثقافة الإنسانية . فبين جدران المتحف تتجاور المومياء مع الفكرة، والعظمة مع الدقة، والتاريخ مع المستقبل. وتقف تماثيل الفراعنة، وأقنعة الملوك، وكنوز توت عنخ آمون، شاهدة على عبقرية المصري القديم، وعلى استمرارية تلك العبقرية في المصري الحديث الذي شيد هذا الصرح بعقل معاصر وروح خالدة.

المتحف المصري الكبير لا يخاطب الزائر فحسب، بل يخاطب العالم كله بلغة الحضارة. يقول: «هنا بدأت الإنسانية .. وهنا تعاد قراءتها». وهو بهذا يتحول إلى منبر للقوة الناعمة المصرية، يروي قصة وطنٍ لم يتعب من العطاء، ولم يتوقف عن الدهشة.

المتحف ليس رفاهية ثقافية، بل استثمار طويل المدى في الوعي والاقتصاد والهوية الوطنية. فالمتحف الناجح يجذب ملايين الزوار، وينعش السياحة، ويخلق فرص العمل، ويدعم الصناعات الثقافية والإبداعية. والأهم أنه يعيد تشكيل وعي المواطن بنفسه وتاريخه، ويغرس فيه فخر الانتماء وحب الوطن.

أثبتت التجارب أن الدول التي تنفق على الثقافة تكسب أضعاف ما تنفقه، لا ماديا فقط بل رمزيا أيضا. فرنسا مثلا تجني مليارات اليورو من السياحة الثقافية المرتبطة باللوفر وحده، وبريطانيا تحصد مكاسب ضخمة من المتحف البريطاني الذي يعد من أكثر المتاحف زيارة في العالم.

أجمل ما في المتاحف أنها تعلم الإنسان درس التواضع أمام الزمن. حين يقف الزائر أمام تمثال عمره آلاف السنين، أو أمام مخطوطة كتبتها يد رحلت منذ قرون، يدرك كم هو عابر في مجرى التاريخ، وكم هو مدين لأولئك الذين صنعوا هذا الإرث العظيم.

المتاحف الضمير الحي للبشرية. فهي تحفظ ما ينساه الزمن، وترمم ما تهدمه الحروب، وتذكر الإنسان دوما بأصله وقدرته على الخلق والإبداع. في عالم تتنازع فيه القوى على الموارد والأسواق، تظل الثقافة السلاح الأرقى والأبقى. ومن يمتلك ذاكرة قوية، يمتلك المستقبل.

حين تفتح أبواب المتحف المصري الكبير، لن يكون ذلك حدثا محليا، بل احتفالا عالميا بانتصار الحضارة على النسيان، ورسالة من مصر إلى العالم تقول: نحن لا نعيش على أطلال التاريخ، بل نبني عليه مستقبلا جديدا يليق بعظمة الإنسان المصري.