زيت النخيل بين المفاهيم الخاطئة الشائعة والحقائق العلمية
زيت النخيل بين المفاهيم الخاطئة الشائعة والحقائق العلمية
غالبًا ما يخبرني المرضى بأن "زيت النخيل ضار بالصحة'، وهذا يتعارض مع ما يثبته العلم"، هكذا صرّحت الدكتورة إيمان جمال، اختصاصية تغذية سريرية ومدربة صحية معتمدة من مصر، تكرّس الكثير من وقتها لمساعدة الأشخاص على فهم النصائح الغذائية المتضاربة، ولاسيما وأن الشكوك حول هذا الزيت انتشرت بقوة في السنوات الأخيرة، مما يثير تساؤلًا: هل المشكلة حقًا في الزيت نفسه؟
لفهم أسباب الانتشار الواسع لزيت النخيل وتوضيح حقيقة أنه لا يستحق كل هذه النظرة السلبية المحيطة به، لا بد من العودة إلى الوراء بضعة عقود واستعراض بعض المعلومات المهمة حوله.
في التسعينيات، شهدت صناعة الغذاء العالمية ما يمكن وصفه بأزمة هوية. فعلى مدى عقود عديدة، كانت الزيوت النباتية المهدرجة تشكل جزئيًا الركيزة الأساسية الخفية للأنظمة الغذائية الحديثة؛ إذ كانت السر وراء قرمشة البسكويت، وسهولة دهن المارجرين، وبقاء الحلويات المغلفة طازجة لأسابيع. لكن هذه المزايا كانت تخفي خطرًا صحيًا: وهو الدهون المتحولة.
فقد أظهرت الدراسات المتتالية والأبحاث المتواصلة أن الدهون المتحولة تشكل خطرًا على صحة القلب. وهو ما دفع منظمة الصحة العالمية والعديد من الجهات الصحية العالمية إلى إطلاق تحذيرات جادة بشأن هذه الدهون. علاوةً على ذلك، كانت شركات الأغذية بحاجة ماسة إلى لإيجاد بديل؛ زيت يجمع بين الأمان، وتعدد الاستخدامات، والثبات عند تعرضه لدرجات حرارة عالية. بالتوازي مع ذلك، كان المستهلكون يتجنبون الدهون المصنّعة والحيوانية، ويسعون وراء بدائل نباتية. ومن هذه الظروف المتداخلة بين المخاوف الصحية والحاجة للابتكار، ظهر زيت النخيل ليكون هو الحل.
على غرار الكثير من الدول، انضمت مصر إلى هذا التحول العالمي؛ فمع تراجع شعبية الدهون المتحولة، ارتفع الطلب على زيت النخيل بشكلٍ كبير في مختلف قطاعات صناعة الأغذية.
وهنا لابد من الإشارة إلى أن إحدى أكثر المعلومات الخاطئة شيوعًا حول زيت النخيل تدور حول نوعية الدهون التي يحتويها؛ إذ يتكون ما يقرب من نصف الأحماض الدهنية فيه من دهون مشبعة، والباقي خليط من دهون أحادية غير مشبعة ومتعددة غير مشبعة. تشبه هذه الدهون المشبعة تلك الموجودة في منتجات الألبان، واللحوم غير المصنعة، وحتى الشوكولاتة الداكنة، في حين تشبه دهونها الأحادية غير المشبعة تلك الموجودة في زيوت الزيتون والكانولا.
وتوضح الدكتورة جمال قائلةً: "تُظهر الأبحاث الحالية أن أداء زيت النخيل يشبه لحد كبير أداء زيت الزيتون وزيت الكانولا من حيث تأثيره على الكوليسترول". ورغم احتوائه على دهون مشبعة، إلا أن تناوله كجزء من نظام غذائي متوازن لا يؤدي بالضرورة إلى زيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية. ومع ذلك، يجب أن نأخذ في الاعتبار أن تأثيره يختلف من شخص لأخر. فقد تتفاوت التأثيرات بناءً على النظام الغذائي العام، ونمط الحياة، والكمية المتناولة، وعوامل صحية أخرى".
ومن المفاهيم الخاطئة الأخرى أن زيت النخيل لا يحتوي على أي قيمة غذائية. بل على العكس، فهو غني بالمغذيات النباتية القيّمة مثل السكوالين، إلى جانب البيتا كاروتين، وشكلي فيتامين E: التوكوفيرولات والتوكوترينولات.
وفي ضوء ذلك، تستطلع الدراسات دور هذه المكونات في تقليل الكوليسترول الضار، وحماية الكبد، وتعزيز الصحة الإدراكية بشكل عام. وعلى الرغم من ضرورة إجراء المزيد من الدراسات للبت في هذه النتائج، فإن ما يميز زيت النخيل عن الدهون المستخدمة في الطهي هو غناه بمركبات التوكوترينولات، مما يجعله يتمتع بمزايا صحية فريدة مقارنةً بزيوت الطهي الأخرى.
تضيف الدكتورة جمال: "بفضل خصائصه المتعددة، يدخل زيت النخيل كمكون في الكثير من الأطعمة الأساسية التي نستهلكها يوميًا. لكن غالبية الناس لا يرونه سوى كنوع من الدهون، أو كمادة للطهي شاع استخدامها عبر الأجيال في أفريقيا وجنوب شرق آسيا. إن جوهر المشكلة يكمن في نظرتنا إليه. عندما نطلق على زيت النخيل وصف 'الضار'، فإننا نولّد إحساسًا بالذنب تجاه الطعام وهو ما يُفسد عادات الأكل الصحية. ما نحتاجه اليوم هو تحقيق التوازن، لا الخوف."
بالنسبة للمصريين، لا يكمن القلق الصحي في زيت النخيل بحد ذاته، بل في طريقة استخدامه. إذ يلجأ بعض الباعة في الشارع والمطابخ الصغيرة إلى إعادة استعمال زيت القلي مرات عديدة، وهي عادة تنتج عنها مركبات قد تكون مؤذية. وتُشير الدراسات المحلية إلى أن هذه الممارسات قد تسبب إجهادًا مؤقتًا للكبد، لكن التوقف عنها يسمح للجسم بأن يستعيد عافيته.
وتتابع بالقول: " تكمن المشكلة الرئيسية في الاستهلاك المفرط، وعادات الطهي غير الصحية، وغياب التوازن الغذائي. أما الزيت الطازج، عند استخدامه بالطريقة الصحيحة، فهو مجرد مادة للطهي، لا يختلف عن أي نوع آخر من الدهون."
ومن زاوية تحليلية عميقة، لا يقتصر النقاش حول زيت النخيل على الجانب الصحي فحسب؛ بل يمتد ليشمل الجانب البيئي أيضًا، لأن مصر تعتمد بشكلٍ كبير على الاستيراد لتلبية احتياجاتها من الزيوت الصالحة للأكل (حوالي 98%)، وما يقرب من 67% من هذه الواردات هي زيوت نخيل. لذا، فإن طريقة إنتاج هذا الزيت تكتسب أهمية قصوى لكل من الصحة والاستدامة البيئية.
فزيت النخيل يتميز بأنه من المحاصيل الزيتية الأكثر كفاءةً عالميًا في استغلال الأراضي؛ إذ يصل إنتاجه إلى نحو 2.8 طن لكل هكتار، وهو ما يتجاوز إنتاج زيت الزيتون بحوالي عشرة أضعاف. ولهذا، يقدّر الباحثون أنه في حال استبدال زيت النخيل عالميًا بزيوت أقل كفاءة، فسنحتاج إلى ما يصل إلى 148 مليون هكتار إضافي من الأراضي، مما سيؤدي إلى تفاقم مشكلة إزالة الغابات.
الأخبار الجيدة هي أن أنظمة منح الشهادات تشهد تطورًا ملحوظًا في الآونة الأخيرة. ففي ماليزيا، على سبيل المثال، أصبح ما يزيد عن 96% من إنتاج زيت النخيل معتمداً ضمن إطار برنامج 'زيت النخيل الماليزي المستدام'، وهو برنامج يضع معايير واضحة للحد من إزالة الغابات والحفاظ على التنوع الحيوي. ومع ذلك، فإن هذه الخطوات ماتزال غير كافية لإزالة جميع التحديات القائمة، ولكنها تفتح الأفق أمام مستقبل يمكن فيه إنتاج زيت النخيل بأساليب أكثر مسؤولية. وفي مطلع هذا الشهر، اعترف الاتحاد الأوروبي بشهادة (MSPO) كمعيار موثوق يسهم في تلبية متطلبات لائحة الاتحاد الأوروبي الجديدة لمكافحة إزالة الغابات.
ختامًا، وسط زحام المفاهيم الغذائية الخاطئة، يبقى الخيار الصحيح هو الخيار المستنير بالمعرفة. فزيت النخيل، كغيره من المكونات، يمكن أن يجد مكانه الطبيعي على موائدنا حين نُوازن في استخدامه، ونسترشد بالعلم، ونضع الاستدامة في الحسبان.