ترامب ونتنياهو.. مَن يُفشل الاتفاق؟

جيهان فوزى

جيهان فوزى

كاتب صحفي

الهجوم الأخير الذى نفده جيش الاحتلال الإسرائيلى على غزة هو خرق فاضح للاتفاق الموقع فى شرم الشيخ برعاية أمريكية قطرية مصرية تركية، والذى يشمل فى مرحلته الأولى إطلاق الأسرى أحياء وأموات، وانسحاب جزئى من غزة بنسبة 70%، مع دخول قوافل المساعدات دون تلكؤ، وإعادة الإعمار، ثم مراحل لاحقة (منها نزع سلاح حماس، وإدارة غزة).

لكن إسرائيل خرقت الاتفاق منذ البداية ولم تلتزم بتنفيذ بنوده، حيث منعت دخول المعدات الثقيلة لإزالة الأنقاض، وأدخلت كميات محدودة من شاحنات المساعدات بخلاف المتفق عليه، ولم تفتح معبر رفح حتى حينه، متذرعة بمماطلة حركة حماس فى تسليم جثث الأسرى، فيما نفت حماس بدورها مسئوليتها عن التأخير فى تسليم باقى الجثث لصعوبة التعرف على أماكن وجودهم فى ظل الدمار الهائل الذى خلّفه القصف الإسرائيلى على أحياء ومناطق بالكامل فى القطاع، عدا عن عدم وجود المعدات والآليات التى تساعد فى العثور عليهم. استمرت إسرائيل فى تضييق الخناق على سكان قطاع غزة والضغط على حماس من خلالهم، متهمة إياها بخرق الاتفاق، حتى سنحت لها الفرصة لشن هجوم كانت تتوق له، لتثبت أنها لا تتلقى الأوامر من الإدارة الأمريكية وترامب تحديداً الذى يعتبر نفسه مسئولاً عن صمود الاتفاق وراعياً لتنفيذ بنوده.

من منظور إسرائيل فإن الأسباب الرئيسية المعلنة للتصعيد كان هجوم رفح وإطلاق نار من نفق على قواتها أسفر عن مقتل أحد جنودها، وتسليم حماس جثة خاطئة لأسير إسرائيلى كان لدى إسرائيل سابقاً مما اعتبرته تل أبيب خدعة وخرقاً، فضلاً عن ضغوط اليمين الصهيونى المتطرف الذى يطالب بإعادة اعتقال فلسطينيين ووقف المساعدات وتوسيع السيطرة على غزة، فأمر نتنياهو بشن ضربات قوية كرد فورى ليتفادى الانتقادات الموجهة إليه منذ تنفيذ الاتفاق واتهامه بالتبعية لواشنطن وأخذ التعليمات والأوامر من ترامب شخصياً، خاصة أنه مقبل على عام انتخابى صعب. غير أن الأسباب المرجحة من منظور فلسطينى (حماس والفصائل الأخرى) تعزو ذلك كمحاولة لإفشال الاتفاق، فنتنياهو يستخدم ذرائع كاذبة لفرض وقائع جديدة منها منع دخول مساعدات كاملة والدفع نحو نزع سلاح حماس فى المرحلة الثانية، بالإضافة إلى التواطؤ الأمريكى، فواشنطن تبرر الضربات على أنها «تصادمات صغيرة» مما يمنح إسرائيل غطاءً قوياً لتبرير العدوان، فضلاً عن سيطرة إسرائيل على الإعمار فهى ترفض فتح معبر رفح وترفض الانسحاب من رفح كاملاً للسيطرة على إعادة البناء وتقسيم غزة.

ويأتى التصعيد بعد أسابيع قليلة من الهدوء النسبى، رغم الاستمرار فى الخروقات واستهداف المدنيين من حين لآخر، وعدم قدرة الوسطاء على إلزام إسرائيل بوقف الهجمات المتكررة على الفلسطينيين.

ورغم تأكيد إسرائيل على أن هجومها الحالى محدود ويأتى رداً على ما تعتبره خرق حماس للاتفاق!، إلا أن الاتفاق يعتبر هشاً بسبب غياب آليات عقابية قوية لانتهاكات إسرائيل واستمرارها فى شن الهجمات على قطاع غزة بذرائع مختلفة.

وهذا يحيل الدور إلى الوسطاء (مصر وقطر بشكل أساسى) ومدى قدرتهم على الضغط على إسرائيل للحفاظ على الاتفاق، فمنذ توقيعه سُجل 94 انتهاكاً إسرائيلياً بما فى ذلك استشهاد العشرات وإصابة المئات، وفى عدوانها الأخير فقط استشهد 105 فلسطينيين بينهم أطفال ونساء وأصيب أكثر من 250 آخرين، رغم نفى حماس تورطها فى حادث رفح معتبرة أن الانفجار ناتج عن شحنة قديمة داخل منطقة إسرائيلية، واتهمت إسرائيل بشن غارات تهدف إلى استهداف مدنيين لإثارة الفوضى، كما اتهمت إسرائيل بدعم ميليشيات تتعاون مع إسرائيل مثل أبوشباب لسرقة المساعدات وإضعاف سيطرة حماس فى غزة.

وقد يهدف التصعيد الإسرائيلى إلى منع الانتقال إلى المرحلة الثانية (نزع السلاح) وتقسيم غزة، وفرض إدارة أجنبية، والولايات المتحدة متواطئة بوضوح مع إسرائيل خاصة بعد تبرير الضربات كـ«تصادمات صغيرة» لا تُفشل الاتفاق.

التصعيد الأخير يعكس صراعاً داخلياً فى إسرائيل، حيث يستخدم نتنياهو الضربات لتعزيز موقفه أمام اليمين المتطرف، واختبار حدود الاتفاق دون إعلان حرب شاملة، ومن جهة حماس فإن التزامها بضبط النفس وعدم خرق الاتفاق يهدف إلى كسب الدعم الدولى، غير أن الانتهاكات الإسرائيلية والعدوان المتواصل على المدنيين فى غزة قد تدفع لردود فعل قد تعيد الحرب إلى جذوتها الأولى.

فالاتفاق ما زال يعانى من غموض فى الخط الأصفر، حيث تفرض إسرائيل منطقة قتل إضافية تصل إلى 520 متراً داخل غزة، مما يزيد السيطرة إلى 53% من الأراضى الفلسطينية، كما أن التصعيد يهدد بانهيار الاتفاق، مع تكرار قصف مدنيين نصف ضحاياهم من الأطفال والنساء، مما يعزز الدعم لحماس محلياً ويثير غضباً دولياً، قد يؤدى إلى عودة الحرب إذا استمر هذا النهج فى تنفيذ الاتفاق.