جهود مصر في تثبيت وقف حرب غزة
يعود أكتوبر، وتعود معه من جديد الانتصارات التاريخية، ذاك الشهر الذى أكدت التجارب أنه مصرى متعصّب، موعدنا مع المجد هذه المرة كان عبر اتفاق شرم الشيخ للسلام، والذى يعد إنجازاً تاريخياً لعدة أسباب، ربما أبرزها إفساد مخططات إسرائيل فى التوسّع الإقليمى، وذلك عبر تصفية القضية الفلسطينية وتهجير الشعب الفلسطينى خارج أراضيه التاريخية، وهو الهدف الرئيسى لكل ما يحدث بالمنطقة منذ بداية القرن الحالى، إضافة إلى انتزاع اعتراف دولى حاسم بعدم قبول ضم إسرائيل أراضى الضفة الغربية، فضلاً عن الاتفاق على آليات لحل أى خلافات مستقبلية بالمنطقة عبر التفاوض والطرق الدبلوماسية.
ورغم الاتفاق على انتهاء المرحلة الأولى فإن إسرائيل ما زالت متشبثة بعدد من القضايا الباقية منها قبل البدء فى مفاوضات المرحلة الثانية، مثل تسليم باقى جثامين المحتجزين الذين قتلهم الطيران الحربى الإسرائيلى أثناء الحرب، والإصرار على نزع سلاح الفصائل الفلسطينية وعدم مشاركتها فى حكم القطاع، رغم عدم امتلاك الفصائل أى أسلحة نوعية أو متطورة يمكن أن تُشكل خطراً جدياً على أمن إسرائيل!
ولأن مصر تدرك جيداً ما وراء هذه الذرائع من رغبة إسرائيلية فى العودة إلى الحرب، وتجنّب انفجار الجبهة لداخلية لديها، سواء لبدء إجراءات محاسبة المقصرين فى أحداث 7 أكتوبر، أو استمرار القضايا الكثيرة التى يحاكم فيها نتنياهو، أو عودة معركة الحريديم والتجنيد الإجبارى للسطح، مما يجعل نهاية الحرب نهاية لنتنياهو وائتلافه اليمينى الحاكم، قرّرت مصر البدء فى عدة مسارات فورية لتثبيت وقف إطلاق النار.
وكان المسار الأول هو الدفع بفرق فنية مصرية مدرّبة على انتشال الجثث إلى قطاع غزة، وذلك لدعم الجهود الفلسطينية فى البحث، وحرمان إسرائيل من أى مبرّرات للانقلاب على الاتفاق، وأما المسار الثانى فكان استضافة حوار وطنى فلسطينى بالقاهرة، شاركت فيه جميع الحركات والفصائل الفلسطينية، بغية تمهيد الأجواء نحو خلق إجماع وطنى فلسطينى على قضايا المرحلة الثانية، سواء بخصوص سلاح الفصائل أو حكومة التكنوقراط، وحقّق رجال مصر الشرفاء إنجازاً هائلاً بنجاحها فى الحصول على اعتراف فلسطينى شامل بالاتفاق، مع الالتزام بتنفيذ جميع بنوده، فضلاً عن الاستمرار فى الحوار الوطنى لتوحيد الصف الفلسطينى بعد سنوات طوال من الخلاف والشقاق.
فيما كان المسار الثالث هو إدخال عدد كبير من شاحنات المساعدات الإنسانية إلى القطاع، وذلك رغم عرقلة إسرائيل وتعطيلها دخول هذه الشاحنات، والتى تحول بعض منها إلى وسائل لنقل المهجّرين من الجنوب إلى مناطق الوسط والشمال، ليستمر بذلك فيضان الخير المصرى للأشقاء فى فلسطين بعد معاناة طويلة من الحرب والحصار معاً.
لم يكن ليتحقق ذلك دون قناعة أمريكية ودولية بصواب وعدالة الرؤية المصرية للسلام فى المنطقة، وهو ما تمت ترجمته واقعياً لضغوط غير مسبوقة على الجانب الإسرائيلى، وكلها أمور لم تكن لتتحقق دون الحسم المصرى الشامل فى الصراعات القانونية والدبلوماسية والاقتصادية والإعلامية، فالمعارك اليوم لم تعد بالسلاح وحده، بل تتغير طبيعتها وأسلحتها من صورة إلى أخرى.
فى هذه المرحلة من التاريخ، يقف الرئيس عبدالفتاح السيسى رافعاً رأسه عالياً، بعدما حقّق ما تعهد به فى بداية هذه الأزمة، وأصبح فى نظر العالم رجل السلام القوى فى الإقليم، فالسلام والقوة وجهان لعملة واحدة، من لا يملك القوة ليس من حقه أبداً أن يحلم بالسلام، ومصر فى عهد الرئيس السيسى أثبتت للجميع أنها تمتلك القوة القادرة على صنع السلام، ليس فى المنطقة وحسب، ولكن فى العالم أجمع!