ممثل مصر في «صون التراث باليونسكو»: المتحف المصري الكبير الأضخم عالميا.. وحفل الافتتاح حدث دولي يهم محبي التراث والإرث الحضاري

كتب: إلهام الكردوسي

ممثل مصر في «صون التراث باليونسكو»: المتحف المصري الكبير الأضخم عالميا.. وحفل الافتتاح حدث دولي يهم محبي التراث والإرث الحضاري

ممثل مصر في «صون التراث باليونسكو»: المتحف المصري الكبير الأضخم عالميا.. وحفل الافتتاح حدث دولي يهم محبي التراث والإرث الحضاري

بعد الإعلان عن فوز الدكتور خالد العنانى بمنصب المدير العام لمنظمة «يونسكو»، كأول عربى يتولى قيادة هذه المنظمة العالمية المعنية بالثقافة والتراث والتعليم، تتزايد التطلعات إلى دور مصرى أكثر تأثيراً فى المشهد الثقافى الدولى، خاصةً مع اقتراب افتتاح المتحف المصرى الكبير، ذلك الحدث الحضارى العالمى بكل المقاييس.

يفتح هذا المنجز الكبير الباب واسعاً أمام تساؤلات تتعلق بمستقبل التراث المصرى، ودور «يونسكو» فى صونه، ما دفع «الوطن» لإجراء حوار مع الدكتورة نهلة إمام، مستشار وزير الثقافة للتراث، وممثل مصر فى اتفاقية صون التراث بـ«يونسكو»، التى تحدثت عن دلالات فوز «العنانى»، وسُبل توظيف ذلك للترويج للهوية المصرية، كما تناولت الجهود المبذولة فى تسجيل عناصر التراث غير المادى، والتحديات التى تواجه هذه المساعى، فضلاً عن رؤيتها لمستقبل التراث، وفى هذا الحوار تُسلّط نهلة إمام الضوء على مسئولية المجتمع والدولة فى الحفاظ على التراث، مؤكدة أنه ليس ماضياً يُروى، بل هو حاضر نعيشه ونصونه للأجيال الجديدة.

■ كيف تقرئين فوز الدكتور خالد العنانى مؤخراً بمنصب المدير العام لـ«يونسكو»؟

  • أنا مثل أى مصرى سعيدة بتولى الدكتور خالد العنانى منصب مدير عام منظمة اليونسكو، أبرز منظمة دولية من منظمات الأمم المتحدة عن الثقافة، ويعنى أنها ثقة كبيرة من العالم كله، ومن قادتهم الثقافيين فى مكانة مصر، أيضاً يرجع ذلك إلى تقدير الكفاءة الشخصية للدكتور خالد العنانى، وعلينا أن نفهم أن هناك أمرين عند التنافس على مثل هذه المناصب الدولية؛ أولاً قدر الدولة التى ينتمى لها المرشح وما تمثله ثقافياً، وثانياً الكفاءة الشخصية للمرشح. التصويت للدكتور خالد العنانى لم يحدث من قبل فى تاريخ «يونسكو»، وبمناسبة هذا الاكتساح وهذا الإجماع، لا بد هنا أن نشيد بحملته التى أُديرت بشكل احترافى ومهنى كبير جداً، وهى حملة «مكملة تعليمها»؛ لأنها درست جميع الملفات والتفاصيل وركزت على نقاط القوة، وتمكنت من الترويج للمرشح المصرى، واستفادت من خبراتنا السابقة فى الترشح لهذا المنصب، وتمكنت أيضاً من الرد على كل التحديات على مدار سنتين من الجهد المضنى والسفر لـ65 دولة لإقناع الدول والتفاوض بشكل احترافى، فكل التحية لوزارة الخارجية المصرية.

.

■ قاربنا على افتتاح المتحف.. كيف يمكن الاستفادة من وجود د. خالد العنانى على رأس «يونسكو» للترويج للمتحف؟

- المتحف المصرى الكبير إنجاز ضخم، وألاحظ الجهد الكبير لجميع قطاعات الدولة تمهيداً لهذا اليوم، فهو الحدث الثقافى الأبرز هذا العام؛ لأنه المتحف الأكبر على مستوى العالم الذى يضم مقتنيات حضارة واحدة هى الحضارة المصرية القديمة، والدكتور العنانى كان له دور فى إنشائه ولا يمكن إغفاله، بل على العكس هذا المتحف قيمة مضافة إلى مصر وواجهة جديدة، وأتصور أن العالم كله ينتظر يوم 1 نوفمبر لكى يتابع هذا الحدث. الدكتور «العنانى» سيتولى منصبه رسمياً بعد يوم 15 نوفمبر المقبل، والترويج للمتحف دور مصر بالأساس، وليس مسئولية «اليونسكو»، وحفل الافتتاح هو حدث دولى يهم كل مثقف وكل محب للتراث والإرث الحضارى على مستوى العالم، وأرى أن قطاعات كبيرة جداً تركز على الحدث بالفعل، ومسئولية كل مصرى أن يحافظ على المتحف ويتعامل معه بشكل حضارى، لنقول إننا نستحق أن نكون ورثة هؤلاء الأجداد العظماء.

■ كيف سينعكس هذا التعيين على أولويات «يونسكو» فى المرحلة المقبلة، خصوصاً فيما يتعلق بالتراث؟

- لكى نكون منصفين فى التعامل مع الدكتور خالد العنانى علينا ألا نحمّله مسئولية التراث المصرى؛ لأنه عندما يكون رئيس منظمة دولية بقيمة «اليونسكو» يجب أن يقف على مسافة واحدة من كل الثقافات والشعوب، وفى النهاية لن يصون تراثنا إلا نحن، وتوصيله للمنظمات الدولية مسئوليتنا نحن، وقوتنا تبرز فى تقديم ملفاتنا عن التراث بالشكل الذى يستطيع المنافسة لحظة التصويت، وفوز الدكتور العنانى باكتساح إشارة لنا لنهتم بكل تفصيلة تخص تراثنا.

■ كيف ترين اهتمام مصر بالتراث الثقافى غير المادى حالياً؟

- ملف التراث غير المادى شهد اهتماماً كبيراً مؤخراً، والناس بدأت تلتفت إلى أن ما لديها ثمين، خاصة بعد أن سجلنا فى «اليونسكو» 10 عناصر تمكنت من رفع الوعى، ومصر لديها الآلاف من عناصر التراث، وبدأنا نرى غيرة على التراث، وبعض المجتمعات المحلية تراسلنا لتقترح عناصر جديدة لتسجيلها على قائمة «اليونسكو» مثل «العيش الشمسى، والمشبك، والفول المدمس، وترقيص الخيل، والسبوع»، وغيرها، بمجرد علمهم بتسجيل عناصر فى «اليونسكو»، ونطالبهم بصون التراث الوطنى، ليظل حياً سواء كان أكلة أو حرفة أو طريقة احتفال، ونقف أمام ثقافة الأكل الغربى التى غزتنا، خاصة أن العالم كله يتجه للعودة إلى التراث فى ظل حداثة شديدة جداً وتسارع التصنيع والتلوث والانتقال إلى نمط سريع جداً من الحياة وما نتج عنه من زيادة الأمراض والوفاة فى سن مبكرة والمشكلات الاجتماعية، ومؤخراً انتبهنا إلى أن الحل فى العودة إلى نمط حياة أجدادنا، مع توظيف منتجات الحضارة القديمة بما يناسب عصرنا، وتنمية الوعى فيما يخص العودة للطبيعة، خاصة أنها أصبحت صرخة عالمية، ولها صدى فى كل المجتمعات ومصر من ضمنها.

■ ما العناصر المصرية التى ترين أنها تستحق أن تُسجل لدى «يونسكو» ولم تُدرج بعد؟

- يومياً نتلقى فى وزارة الثقافة طلبات للتسجيل فى «اليونسكو»، ولكن كل دولة ليس لها إلا تسجيل عنصر واحد كل عامين، والعنصر هو «الكشرى»، وأعددنا ملفاً عن هذه الأكلة لتُسجل على قائمة التراث فى «اليونسكو»، وإلى اليوم هذا الملف خاص بنا، وسيظهر بعد التحكيم إذا ما تقدمت دولة أخرى بملف عن وجود أكلة لديها مثل الكشرى لتدخل معنا، وتقدمنا لتسجيل هذا العنصر بطلب من المجتمعات، وقمنا فى الوزارة بإعداد هذا الملف، وإلى اليوم ملف الكشرى ملف مصرى خالص، وسيتم التصويت عليه فى اجتماع ديسمبر المقبل فى الهند، كما عملنا على ملفات عدد من العناصر المشتركة مع دول عربية بينها «المركب الشراعى والخيل والشعر النبطى وآلة العود وحرفة الفخار»، ويجرى العمل عليها لتسجّل فى «اليونسكو» كعناصر مشتركة.

■ ما العقبات التى تواجه تسجيل عناصر من التراث المصرى فى «يونسكو»؟

- الصعوبة فى إعداد ملف لكل عنصر، وفى أن يمرّ من مرحلة التقييم داخل «اليونسكو» ثم يذهب إلى اللجنة الدولية الحكومية التى تجتمع كل سنة، والتصويت على القرار بتسجيل العنصر من عدمه، أما إعداد الملف لمخاطبة «اليونسكو» فله معايير معينة، ونحن نبذل مجهوداً كبيراً جداً فى صمت، والجهات ذات الصلة تتعاون معنا فى توفير وثائق، والجماهير أيضاً، ولا أحد يعرف أن وزارة الثقافة تقوم بعملية جمع ميدانى، وتحصل على موافقة جهات، مثلاً ملف السمسمية، الذى استغرق عامين من العمل المضنى، كان معنا أساتذة متخصصون فى الموسيقى الشعبية، وعازفو وصانعو السمسمية من جميع مدن القناة ومنطقة البحر الأحمر والمركز القومى للسينما الذى تكفل بإعداد الفيلم، لكن أحياناً نقابل هجوماً من البعض بسبب مشاركة بعض الدول الأخرى، وهذا الهجوم ضرره أكبر من نفعه، إذ يُفسر من قِبَل «اليونسكو» بأن هذا الهجوم هو رغبة فى احتكار التراث ومنع الآخرين من ممارسته، فى حين أن اتفاقية صون التراث الإنسانى تدعو للاحترام المتبادل بين الثقافات والحوار بين الشعوب.

■ ماذا عن طرح موضوع تسجيل الطعمية؟

  • يُطلب منا بالفعل تسجيل العديد من العناصر مثل «الطعمية، والرقص الشرقى، والفول المدمس والبتاو»، وغيرها من العناصر الكثيرة، والفول المدمس تحديداً تأكله العديد من الشعوب، لكن فى مصر لنا طريقة مميزة فى إعداده، ولدينا حالة «عربية الفول»، والطريقة الشعبية والحالة المجتمعية الفريدة التى تحدثها «عربية الفول»، واخترنا الكشرى لأنه كان الأعلى فى طلب التسجيل، إلى جانب «العيش الشمسى» وهو جدير بالتسجيل، لأن التسجيل فى «اليونسكو» يعنى نشر ثقافتنا بين الشعوب الأخرى، ومن المواقف التى أسعدتنى جداً خلال تقييم ملف الكشرى أن أحد أعضاء لجنة التقييم -من ليتوانيا- التقيته فى الخارج، وقال: «أنا عملت كشرى!»، انطلاقاً من الملف المصرى المقدم عن هذه الأكلة، وعبّر عن إعجابه الشديد بالأكلة، وقوله هذا أسعدنى سعادة غامرة، ولو لم يكن التسجيل للشعب المصرى أهم هدف، لقلت إن هذا يكفينى، فهذا نجاح لنا.

لا أستبعد استرداد حجر رشيد بصفتنا أصحاب الأرض والتراث الحقيقيين وهناك إصرار على المطالبة بالحق وإثباته فى المحافل الدولية

■ كيف تُقيّمين أداء «يونسكو» فيما يخص حماية التراث فى مناطق الصراع واستعادة الآثار المنهوبة؟

- حالة العداء للتراث من الشعوب الهمجية والبربرية تتطلب توحيد الجهود لمواجهة هذه الهجمات، التى تعتبر هجمة على الهوية، وسنظل نصرخ وننادى لاسترداد كل الممتلكات الثقافية المنهوبة، حتى لا تُحرم الأجيال الجديدة من حقها فى تراثها، وهناك ممتلكات منهوبة فى أماكن معروفة خرجت بطرق غير شرعية، وسنصل فى يوم من الأيام إلى هدفنا، ولا أستبعد أن نسترد حجر رشيد فى يوم من الأيام، طالما نحن مؤمنون بحق الشعوب فى تراثها، وأن نحصل على جزء من عائد المعارض التى تُقام برأس نفرتيتى، بصفتنا أصحاب الأرض والتراث الحقيقيين، ولا نتوقف عن المطالبة بالحق؛ لأن الإصرار على المطالبة بالحق وإثباته فى كل المحافل الدولية هو الذى يعيده إلينا حتى لا نحرم الأجيال الجديدة من حقها فى هذه الحضارة.

■ ماذا عن آثار فلسطين التى دُمرت؟

- هذه مسئولية دولة فلسطين فى تقديم طلب لـ«اليونسكو» للمطالبة بحقوقها، ونحن نضم صوتنا إليها وندعمها، لأن كل ممتلكات ثقافية تم نهبها أو تدميرها هى جريمة فى حق الإنسانية، تحرم أولاد البلد من تراثهم.

■ كيف يمكن إشراك الأجيال الجديدة فى حماية هذا التراث؟

- الأجيال الجديدة لديها وعى، خاصةً عند تقديم القضية لهم بطريقة جذابة، ومعظم الذين قادوا الحراك الوطنى كانوا من الشباب (لأن القضية قُدمت بشكل جذاب)، وبالتالى علينا تقديم قضايا التراث بشكل جذاب من خلال الإعلام والتعليم، وإعادة إحياء وممارسة الطقوس التراثية مثل «السبوع والمولد النبوى» وغيرهما، ودائماً أقول «أقيموا الطقوس».

■ باعتبارك باحثة فى التراث الشعبى، كيف ترين العلاقة بين التعليم وحفظ الهوية الثقافية؟

- إدخال التراث فى التعليم قضية تشغل اتفاقية صون التراث؛ لأن التعليم إحدى وسائل نقل التراث إلى الأجيال الجديدة، من خلال وسائل تعليمية للأطفال، وأن يدخل فى الأنشطة المدرسية، وتدريس بعض النصوص من السير التراثية فى مناهج القراءة، ولدينا فى التعليم قطاع مهم جداً هو التعليم الفنى، والمفترض أن يتولى هذا القطاع ملف الحرف (مثل النقش على المعادن، والخيامية، والفخار) وينقله للأجيال الجديدة، والقضية تحتاج إلى تسليط الضوء، وهى مسئولية مشتركة بين التعليم والثقافة والإعلام.

■ ما أهم المشروعات الحالية لحفظ التراث غير المادى فى مصر؟

- وزارة الثقافة أنشأت بيت التراث، وتم نقله من الفسطاط إلى منطقة سبيل قايتباى (بالقرب من السيدة عائشة)، ومنوط به إعداد قوائم حصر وطنى للتراث، وبالطبع صون التراث والأرشفة وإعادة الإحياء، وبيت التراث يتكون من مجلس أمناء برئاستى، ومدير للبيت، ومجموعة من الباحثين المنتدبين من هيئات الوزارة، وبدأنا بالفعل عقد دورة تدريبية للباحثين المشاركين، وإجراء قوائم حصر جديدة للتراث، وسنتعاون فى عملنا مع المحافظات؛ لأن داخل كل محافظة هناك اهتمام بالتراث، لكن لا يتوافر لديهم الوعاء الحافظ، ونأمل أن يكون بيت التراث بوتقة لما تم جمعه ليكون لدينا أرشيف قوى نباهى به، لتكون هناك قوائم حصر جديدة ملك الدولة.

■ هل تتعارض جهود الوزارة لتوثيق التراث مع مساعى المجتمع المدنى فى هذا الموضوع؟

- مطلقاً، تعدد الجهود لا يقلقنى، بل على العكس يصب فى مصلحة الوطن، نحن لا نتنافس، تراثنا كبير، وتعدد الجهود شىء محمود، لكن فى النهاية لدينا جهة متخصصة مسئوليتها تحديد أصالة التراث المجموع من عدمه، وطوال التاريخ، هناك جهود من الرحالة والمستكشفين ورجال الدين والمستشرقين، الذين كانوا يكتبون عن عادات الشعوب وتراثها، إلى أن أصبح لدينا «متخصص» فى التراث، وجميع محاولات الحفظ والتوثيق لتراثنا مثمّنة، وهذا الشغف يؤكد أن التراث حى، لكن تظل جهة الاختصاص ضرورية، كما ستظل مهمة تصعيد الملف إلى مستوى دولى هو دور وزارة الثقافة، وهناك إدارات فى المحافظات تهتم بالتراث، وسنطلب منها نسخة لوضعها فى أرشيف الدولة لرفعها على الإنترنت، لأن «بيت التراث» سيكون جهة لتوثيق التراث بشكل علمى، ويجرى حالياً جمع عناصر التراث لتوثيقها.

■ ما مستقبل التراث الشعبى المصرى فى ظل وجود قيادة مصرية وعربية لـ«يونسكو»؟

- مستقبل التراث فى أيدى المواطنين، وصونه مرتهن بإرادة الشعب فى ممارسته والحفاظ عليه، ليكمل معنا رحلة صونه وإعادة إحيائه ونقله للأجيال المقبلة، لأن هذه آلية التداول، ودورنا رفع الوعى لنقول لهم إن ما لديهم ثمين، فالتراث علامة تفردنا بين شعوب العالم، وحق للشعب كله فى حدود مسئوليته.

■ إذا أُتيح لكِ طرح مبادرة دولية من خلال «يونسكو»، فما الفكرة التى ستتقدمين بها؟

- ما لم يتم تفعيل تطبيق آليات صون التراث المقترحة، وما لم تُفعل المقترحات وتقديم «اليونسكو» الدعم للدول لتفعيل آليات الصون، فإن هذه المقترحات ستظل حبيسة الأدراج. ومبروك لمصر تولى خالد العنانى أعلى منصب فى أعلى منظمة ثقافية فى العالم، ومبروك لمصر 10 تسجيلات على قائمة «اليونسكو»، وأوجه رسالة للناس: «من فضلكم أقيموا كل الطقوس والاحتفالات والأكلات التقليدية لأن تراثنا بهجة، وهى بصمة تراثية لنا وهى ما يجمعنا».


مواضيع متعلقة