فيلسوف القبيلة الأول

استمع «أبوذر الغفارى» إلى ما حكى أخوه «أنيس» عن النبى، صلى الله عليه وسلم، ودعوته، لكنه أراد أن يستكشف الأمر بنفسه، فاستأذن من أخيه أن يخلفه فى الرحال، حتى يذهب إلى مكة ويرى. تحرك «أبوذر» إلى مكة، ووقف بالقرب من الكعبة المشرفة، واقترب من أحد الرجال وسأله عن النبى: وقال له: أين هذا الذى تدعون الصابئ؟ فأحس الرجل أن أبا ذر واحد من أتباع محمد، فأمسك بـ«أبى ذر» وصرخ فى القوم: إنه صابئ، فاجتمع الناس على «أبى ذر» وأوسعوه ضرباً حتى أغمى عليه، وبعد أن أفاق تحرّك إلى «زمزم» وشرب وغسل وجهه من الدم المتدفق، وجاور الكعبة عدة أيام، حتى كان يوماً سمع فيه امرأتين تدعوان الصنمين إسافا ونائلة، فسخر منهما.

وقال لهما: أنكحا أحدهما الأخرى، فانطلقتا تولولان وتقولان لو كان هاهنا أحد من أنفارنا؟ فى هذه اللحظة كان النبى وأبوبكر يهبطان من الجبل فسأل المرأتين: ما لكما؟ قالتا: الصابئ بين الكعبة وأستارها! ذهب النبى وصاحبه فتسلما الحجر وطافا بالبيت ثم صلى، فجاءه أبوذر، وكان أول من حيّاه بتحية السلام، فقال النبى: وعليك السلام ورحمة الله، وسأله عن قبيلته، واستمع أبوذر منه وآمن به.

عاد «أبوذر» إلى أخيه «أنيس» فسأله الأخير: ما صنعت؟ فرد «أبوذر»: صنعت أنى قد أسلمت وصدقت. كان «أبوذر» يقول: كنت فى الإسلام رابعاً. وقد عاد إلى قومه فى «غفار» وهو يحمل إيمانه، ودعاهم إلى الإسلام فآمن بعضهم، وأبى آخرون، وظل أبوذر بينهم يدعوهم عدة سنوات ممتدة. ويشير «ابن الجوزى» صاحب كتاب «صفة الصفوة» إلى أن أبا ذر مكث مع النبى، صلى الله عليه وسلم، عدة سنوات، ثم عاد إلى بلاده بعد أن أسلم، فأقام بها حتى مضت بدر وأحد والخندق، ثم مضى إلى المدينة المنورة، ويعنى ذلك أن أبا ذر عاش عدة سنوات بعيداً عن النبى، يدعو قومه، ويهديهم إلى الإيمان، حتى تحولت القبيلة التى احترفت فى الماضى قطع الطريق وسرقة ونهب القوافل إلى كتيبة من المؤمنين المستعدين للتضحية فى سبيل الله، والفضل فى ذلك يعود إلى «فيلسوف القبيلة الأول» أبى ذر الغفارى، الرجل الذى اهتدى إلى الإيمان بقلبه المتوثب الشجاع، وعقله الحر الجرىء، وحينما التقى رسول الله صلى الله عليه وسلم، علم أن الله رضى عنه، إذ هداه بالفطرة إلى الحقيقة الإيمانية، فانخرط فى ركب المؤمنين بمحمد.

وأغلب الظن أن «أبا ذر» قضى مع النبى فى مكة نحو 5 سنوات (ربما أقل أو أكثر)، بعدها أبلغه النبى، صلى الله عليه وسلم، بأن الله تعالى وجّهه إلى الهجرة إلى المدينة، وقال له: إنى وجّهت إلى أرض ذات نخل، فلا أحسبها إلا يثرب، فهل أنت مبلغ عنى قومك لعل الله عز وجل ينفعهم بك ويأجرك فيهم؟. وقد هاجر أبوذر إلى المدينة بعد غزوة الخندق عام 5 هجرية، ومكث مع النبى 6 سنوات، حرص «أبوذر» على أن يكون قريباً من النبى، صلى الله عليه وسلم، ينهل من علمه الشريف، وكان يقول عن نفسه -كما يذهب «ابن كثير» فى «البداية والنهاية: «كنت رجلاً ألتمس خلوات النبى صلى الله عليه وسلم، لأسمع منه أو لآخذ عنه». وكم تعمق علم هذا الرجل وإيمانه نتيجة الالتصاق بشخص حضرة النبى.