هل تماثيل الحضارة المصرية أصنام؟
تزامناً مع افتتاح المتحف المصرى الكبير، ونحن فى غمرة فرحتنا وسعادتنا بهذا الإنجاز التاريخى العظيم، الذى يحتفظ بكنوز تلك الحضارة التى ما زالت تبهر العالم حتى الآن، خرجت أصوات خفافيش الظلام فى فيديوهات انتشرت كالنار فى الهشيم على السوشيال ميديا، كلها تدور كالأسطوانة المشروخة حول نفس المعنى، الاحتفاء بتماثيل الفراعنة (الأصح تماثيل الحضارة المصرية القديمة)، هو احتفاء بالأصنام، وهم يشعرونك من خلال موعظتهم أن الكفر يحيط بك من كل جانب، وأنك قد أصبحت الشيطان ذاته وسفير جهنم فى القرن الحادى والعشرين!
وهو كلام فضلاً عن أنه مغرض وسخيف، هو كلام غير علمى، وأسألهم قبل تفنيد كلامهم المرسل الذى يعد من باب الهلوسات، هل رأيتم شخصاً يسجد لتمثال رمسيس أو يصلى لأبو الهول؟؟!، لو رأيتم أخبرونا عن اكتشافكم اللوذعى، بداية هل تعرفون معنى تمثال؟، هو«شىء يُصوّر ليُمثل شيئاً آخر»، وهو يصُنع لتوثيق التاريخ أو تكريم الإنسان أو التعبير الفنى فهو عمل حضارى وفنى، وليس صنماً للعبادة.
التماثيل المصرية ليست أصنام الكعبة، بل هى نصوص حجرية ناطقة، كل تمثال فيها هو كتاب من الحجر، يحمل معلومات عن الملابس والعادات، اللغة والكتابة، عن الفكر والفن والعقيدة، ولولا هذه التماثيل والنقوش والرسومات.. إلخ ما كنا نعرف شيئاً عن تاريخنا، ولا عن الطب والهندسة والفلك فى مصر القديمة، تدميرها أو ازدراؤها هو طمس للذاكرة الجمعية وعقل ووعى مصر، هل تريدون إعادة حرق مكتبة الإسكندرية.
مَن يفكر بتلك الطريقة هو من مغول وتتار العصر الحديث الذين كانوا كارهين لكل ما هو ثقافة وكل ما هو مكتوب بين دفتى كتاب، الحجر عندما ينحته المصرى القديم فإنه يكتب عملاً فلسفياً، يخلق رمزاً لا شخصاً، الجسد المثالى عنده يرمز إلى النظام والانسجام، الجدران المزخرفة تُمثل الحياة والموت والبعث، الوجوه الساكنة تعكس فكرة الخلود والاتزان الكونى، إنها ليست أوثاناً ولكنها رموز تمجيد للجمال والوجود.
النحت فى الحضارة المصرية لم يكن ترفاً جمالياً بل وسيلة للخلود وفلسفة للبقاء، فالمصرى القديم كان يؤمن بأن الروح (الكا) تحتاج إلى جسد مادى تُقيم فيه بعد الموت، لذا كان التمثال يُصنع بدقة ليكون البديل الأبدى للجسد الفانى، ولهذا تميز الفن المصرى بـ«الهدوء، والثبات، والخلود» فى مقابل «الحركة والانفعال» فى النحت الإغريقى مثلاً، بينما كانت حضارات كاليونان وروما تُغيّر أساليبها بمرور الزمن، حافظ المصريون على نظام صارم من القواعد طوال أكثر من 3000 عام، الوجوه أمامية أو جانبية بوضوح هندسى، الأجسام تُنحت فى وضع الوقوف أو الجلوس المستقيم، النِّسب مقدسة: الرأس = وحدة قياس، والجسد يُقسَّم بـ«الخطوط الشبكية»، إنه الجمال المُهَندس أو الرياضى، وفى تماثيل مثل خفرع ومنتوحوتب وحورمحب، تبدو الملامح هادئة وساكنة ولكن قوية ومهيبة، تلك النظرة ليست عاطفة بشرية، بل تجسيد للخلود والسلطة الإلهية.
حتى عندما نُحتت تماثيل الفلاحين أو الكَتَبة، مثل تمثال «الكاتب الجالس»، كانت العيون الزجاجية الدقيقة تُعطى إحساساً بالحياة الداخلية دون انفعال ظاهرى، هذا التوازن بين الواقعية والرمزية هو جوهر «العبقرية المصرية»، ويجب أن نعرف أن النحات المصرى لم يكن فناناً فحسب، بل كان مهندساً ومعمارياً وطبيباً فى آن واحد، استخدم المقاييس الهندسية الدقيقة، وعرف النسب التشريحية، وصنع الأدوات النحاسية والحجرية القادرة على تشكيل الجرانيت الصلب بدقة مذهلة، كان النحت عنده مهمة عقائدية، وعلماً هندسياً مقدساً، وليس نزوة جمالية أو انفعالاً زمنياً مؤقتاً، كما فى الحضارات الأخرى، وكل تمثال وُجِّه نحو نقطة فلكية أو معبد مقدّس، التماثيل كانت جزءاً من النظام الكونى (ماعت)، تعبّر عن الانسجام بين الإنسان والآلهة والطبيعة، بينما كان نحت الإغريق يحتفى بالجسد الإنسانى لذاته، وهنا فرق جوهرى، فضلاً عن فروق أخرى لا يتسع لها المجال.
نداء موجه لهؤلاء «الندّابات» من شتّامى حضارة مصر: اتركوا قاموسكم الذى عفا عليه الزمن، ومعجمكم الذى مكانه المقبرة، وتفاعلوا مع الدنيا، مع الكون، مع الحضارة، مع المستقبل.