من رمسيس إلى توت عنخ آمون.. مصر تروي قصة الإنسانية

عبير فتحي

عبير فتحي

كاتب صحفي

شاءت الأقدار أن تظل مصر، خلال هذه الأيام، محور أنظار العالم، فبعد أن فرضت كلمتها على الساحة الدولية واستضافت قادة كبرى دول العالم فى مؤتمر السلام فى غزة، لم تمضِ سوى أيام قليلة حتى أبهرت العالم مجدداً بافتتاح المتحف المصرى الكبير، فى حدث سيسجّل فى ذاكرة التاريخ كأعظم إنجاز ثقافى فى القرن الحادى والعشرين، لمتحف هو بحق هدية مصر إلى الثقافة والحضارة والإنسانية.

ومن اللافت للنظر أن اتفاقية السلام فى غزة تشارك فى جوهرها المتحف المصرى الكبير، فكلاهما امتداد لرسالة مصر فى ترسيخ قيم السلام والحضارة، ويكفى أن نعلم أن أول معاهدة سلام موثقة فى التاريخ الإنسانى هى معاهدة قادش، أو «معاهدة السلام المصرية الحيثية» التى وقعها الملك رمسيس الثانى عام 1269 قبل الميلاد، والذى يتصدر تمثاله الضخم مدخل المتحف، وكأنه يرحب بقادة وملوك وأمراء العالم وزواره من شتى الأرجاء، قائلاً بلغه الصمت المهيبة:

أهلاً بكم فى مصر… أرض السلام، لقد وقعنا أول معاهدة سلام فى التاريخ، وما زلنا نصنع السلام.

فعلى ربوة تطل على أهرامات الجيزة الشامخة، يقف المتحف المصرى الكبير كتحفة معمارية تمزج بين عظمة الماضى وروعة الحاضر، فى مشهد يأسر الأبصار ويخطف الأنفاس، هنا لا تعرض الآثار فحسب، بل تروى حكاية وطن كتب فصوله الأولى على ضفاف النيل منذ أكثر من سبعة آلاف عام.

منذ أن وضعت مصر حجر الأساس لهذا المشروع القومى العملاق عام 2002، والعالم يتابع بدهشة تفاصيل ميلاد هذا الصرح الذى يعد الأكبر من نوعه فى العالم المخصص لحضارة واحدة، يمتد على مساحة تتجاوز نصف مليون متر مربع، ويضم أكثر من مائة ألف قطعة أثرية، يتصدرها تمثال الملك رمسيس الثانى بابتسامته الأبدية التى تتحدى الزمن وترحب بكل من يخطو عتبته.

لم يمر هذا الحدث مرور الكرام فى الصحف العالمية، ففى تقرير لوكالة أسوشيتد برس الأمريكية، وصف المتحف بأنه «أكبر مشروع ثقافى فى الشرق الأوسط» ورمز لنهضة جديدة تعيد مصر إلى واجهة المشهد الثقافى العالمى، مؤكدة أن افتتاحه يمثل محطة استراتيجية فى دعم الاقتصاد المصرى عبر السياحة، وأن المتحف «ليس مجرد معرض للآثار، بل استثمار فى الهوية والإنسانية».

أما صحيفة The Guardian البريطانية فوصفت المتحف بأنه «أضخم متحف أثرى مخصص لحضارة واحدة»، مشيرة إلى أنه استغرق نحو عقدين من الإنشاء والتحديات السياسية والمالية، لكنه يقف اليوم شاهداً على إصرار مصر على استعادة مجدها الحضارى، كما أشادت بتصميمه الهندسى الذى يربط بصرياً بين المتحف والأهرامات، فى تواصل رمزى بين الماضى المجيد والحاضر المتجدد.

ومن الشرق الأقصى، خصّت وسائل الإعلام اليابانية الحدث باهتمام كبير، مشيرة إلى أن الوكالة اليابانية للتعاون الدولى (JICA) شاركت فى تمويل المشروع وتدريب الكوادر المصرية، معتبرة المتحف نموذجاً مشرفاً للدبلوماسية الثقافية بين مصر واليابان، يجمع بين الدقة اليابانية والروح المصرية الخالدة.

ولعل ما يميز هذا المتحف ليس حجمه فقط، بل فلسفة بنائه وروح تصميمه، فواجهته الزجاجية العملاقة تطل على الأهرامات الثلاثة، وكأنها نافذة بين العصور تربط بين ماضى الفراعنة المجيد وحاضر مصر المتجدد، أما قاعاته الداخلية فتستخدم أحدث تقنيات العرض المتحفى فى العالم، لتأخذ الزائر فى رحلة بصرية وذهنية تفاعلية يعيش فيها التاريخ بكل تفاصيله، لا كزائر عابر، بل كشاهد على حضارة لا تموت.

إنه ليس مجرد متحف، بل مدينة ثقافية متكاملة تضم معامل لترميم الآثار، وقاعات عرض، ومراكز تعليمية، ومكتبات، ومناطق ترفيهية ومطاعم، ما يجعله قِبلة للباحثين والسياح والعائلات على حد سواء، والأروع من ذلك أن المتحف يحتضن للمرة الأولى المجموعة الكاملة للملك توت عنخ آمون، التى تعرض مجتمعة فى مكان واحد بعد أن كانت متناثرة بين المتاحف والمخازن، لتروى للعالم أسرار الفرعون الذهبى الصغير الذى حير العلماء والملوك على مر العصور.

وهذا المتحف هو هدية مصر إلى العالم، صحيح أن اليابان ساهمت فى تمويله بقروض ميسرة، إلا أن مصر تتحمل التكلفة الكاملة لسداد هذه القروض بفخر وشرف ورضا، إيماناً منها بأن ما يُبنى للحضارة لا يقدر بثمن.

اقتصادياً، يتوقع أن يشكل المتحف نقلة نوعية فى صناعة السياحة المصرية، فمع افتتاحه الكامل، ستتجه أنظار العالم إلى مصر كوجهة سياحية تجمع بين عبق التاريخ ومتعة الحداثة، ما سينعكس إيجاباً على الدخل القومى، ويزيد من أعداد الزائرين، وينشط الحركة الفندقية، ويخلق آلاف فرص العمل فى مجالات السياحة والخدمات والثقافة.

وفى لحظة تستعيد فيها مصر مجدها القديم بثوب جديد، أتذكر ما تغنت به أم كلثوم، وكأنه يتردد فى أرجاء المتحف صدى صوتها وهى تقول: «وقف الخلق ينظرون جميعاً كيف أبنى قواعد المجد وحدى».

وكأن كلماتها تعيد تعريف المشهد أمامنا، فها هى مصر تبنى مجدها من جديد، لا بالحجارة فقط، بل بالعلم والإبداع والإصرار، لتثبت للعالم أن الحضارة المصرية لا تورث فحسب، بل تجدد وتبنى كل يوم.

فى النهاية، حين تطأ قدماك أرض المتحف المصرى الكبير، فلن ترى مجرد جدران وصالات عرض، بل سترى قصة أمة حية كما أراها الآن، أمة علمت العالم معنى الحضارة، وصنعت من الحجر رسالة خالدة للسلام والمعرفة. إنه ليس افتتاح متحف فحسب، بل بعث جديد لروح مصر القديمة فى ثوب عصرى يليق بمكانتها بين الأمم. فكما قالت الصحف العالمية: من قلب الجيزة، تكتب مصر فصلاً جديداً من التاريخ… وتهدى العالم حضارة لا تعرف الفناء.