د. وسيم السيسي يكتب: أمير الشعراء وأنا في المتحف الكبير!

كاتب صحفي

ركبت آلة الزمن التى اخترعها الروائى الإنجليزى «هـ. ج. ويلز» وعدت بها إلى الماضى القريب، إلى عام 1930، حيث كان فى انتظارى على ضفة الزمن أمير الشعراء أحمد شوقى، بعباءته الأنيقة ونظرته التى تجمع بين الحكمة والدهشة. صافحنى مبتسماً، فقلت له: «هيا بنا يا أمير الشعراء، إلى المستقبل.. إلى المتحف المصرى الكبير». لم يدرِ «شوقى» ما ينتظره، لكن ما إن وقف أمام البهو العظيم للمتحف المصرى الكبير، حتى انعقد لسانه من الدهشة. أمامه تمتد مساحة ثلاثمائة ألف متر مربع من الفن والعظمة، وعمارة تُعيد تعريف الجمال الفرعونى فى أبهى صوره.

وقف «شوقى» أمام تمثال الملك رمسيس الثانى فى بهو المتحف، يتأمل صلابته وهيبته، ثم تمتم بأبيات من شعره، كأنها خرجت من أعماق التاريخ: «بايعته القلوب فى صلب سيتى.. يوم أن شاقها إليه الرجاء.. من كرمسيس فى الملوك حديثٌ.. ولرمسيس الملوك فداء»، ثم ابتسم وقال فى تأملٍ عميق: «يقولون إنه فرعون الخروج! لكنه مات فى السادسة والتسعين غرقاً، وترك أبناءً كُثُراً، بينما القرآن الكريم ذكر أن فرعون لم يكن له ولد.. لعلّ الحكايات تختلط حين يطول بها الزمن».

تجوّل أمير الشعراء فى بهو الملوك، تحاوطه التماثيل العظيمة، فتمتم بدهشة الطفل: «بما رُهِنوا فى الأرضِ رُوّادَ حِكمةٍ وما مشت من أنوارِهم قبسُ»، ثم سألنى فجأة: «وأين تمثال نفرتيتى؟». أجبته بأسف: «خرج من مصر بطريقة غير شرعية يا أمير الشعراء.. نُقل من تل العمارنة عام 1912، وخُبِّئ بعيداً عن عيوننا، ليُصبح اليوم فى نصيب آخر من العالم». صمت «شوقى» طويلاً، ثم نظر إلى السماء وقال: «هى دارنا يا ولدى، تُهدى الدنيا النور، ثم تظل فى الظل»!

إن المتحف المصرى الكبير يمثل عظمة وتاريخ مصر، ويعيد كتابة التاريخ من جديد، فنحن لا تفتتح متحفاً فحسب، بل نصنع المجد من جديد، فهذا الصرح العالمى يقف شامخاً وشاهداً على أن الحضارة المصرية لا تموت، وأننا قادرون على أن نصنع المستقبل، ويعكس حجم الإنجاز والتطور الذى تشهده الدولة المصرية فى مختلف المجالات، بما يتناسب مع مكانتها الحضارية أمام العالم.

إن الحضارة المصرية لم تكن حضارة موت، بل كانت حضارة حياة، تنبض بالحياة. يسكن فى كل زاوية من المتحف نبض حضارة علمت البشرية معنى الخلود، كانت مصر وستظل دولة سلام، لا تلجأ إلى الحرب إلا إذا كُتبت عليها الحرب دفاعاً عن أرضها وكرامتها، والتاريخ المصرى الممتد عبر آلاف السنين يثبت أن المصريين لم يكونوا دعاة غزو أو اعتداء، بل بنّاؤون للحضارة ومدافعون عن الحق.. فمصر علمت العالم الحضارة والقانون والطب والدين.