«يُبعث وحده»
منذ سنة 5 هجرية شهد أبوذر الغفارى كل المعارك القتالية التى خاضها النبى، صلى الله عليه وسلم، ضد قوى الشرك، وظل كذلك حتى آخر غزوة غزاها النبى وهى غزوة «تبوك»، سنة 9 هجرية.
تعلم أن الجيش الذى أنفذه الرسول عليه الصلاة والسلام -تحت قيادته- لمواجهة الروم فى «تبوك» أطلق عليه جيش العسرة، بسبب ما واجهه من صعوبات فى حمل المجاهدين على أظهر الخيل والبعير، وتزودهم للطريق، أضف إلى ذلك الارتفاع الشديد فى درجات الحرارة خلال الوقت الذى تحركوا فيه إلى «تبوك».
تحرك النبى مع المؤمنين فى جيش كبير، وتعثر بعض المقاتلين فى الطريق، وكان من بينهم أبوذر الغفارى، رضى الله عنه.
يقول «ابن كثير» فى «البداية والنهاية»: «لما سار رسول الله إلى تبوك جعل الرجل يتخلف فيقولون -أى الصحابة- يا رسول الله تخلف فلان، فيقول دعوه إن يكُ فيه خير فسيُلحقه الله بكم وإن يكُ به غير ذلك فقد أراحكم الله منه، حتى قيل: يا رسول الله تخلف أبوذر وأبطأ به بعيره فقال: دعوه إن يكُ فيه خير فسيُلحقه الله بكم وإن يكُ غير ذلك فقد أراحكم الله منه، فتلوّم أبوذر بعيره فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فجعله على ظهره ثم خرج يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشياً، ونزل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعض منازله ونظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول الله إن هذا الرجل ماشٍ على الطريق! فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: كُن أبا ذر، فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله هو والله أبوذر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يرحم الله أبا ذر يمشى وحده ويموت وحده ويبعث وحده».
ظنى أن هذه المقولة «يُبعث وحده» لم ترد على لسان الرسول الكريم إلا فى حق «أبى ذر»، الرجل الصادق المخلص عميق الإيمان، الذى صحب رسول الله فى كل اتجاه يسلكه، ومكث حريصاً على ذلك منذ أن وطئت أقدامه المدينة المنورة سنة 5 هجرية، وحتى وفاة النبى صلى الله عليه وسلم سنة 11 هجرية، وقد عاش فى المدينة خلال الفترة القصيرة التى تولّى فيها أبوبكر الصديق الخلافة، وبعد وفاة أبى بكر قرر الهجرة إلى الشام، وكان واليها فى ذلك الوقت أبوعبيدة بن الجراح، وتناوب عليها من بعده -لفترات- قصيرة عدد من الولاة، توفوا جميعاً فى طاعون عمواس سنة 18 هجرية، بمن فيهم أبوعبيدة، وانتهت ولايتها أخيراً إلى عمرو بن العاص الذى لم يمكث على رأسها طويلاً، وتوجه لفتح مصر، وتولى من بعده معاذ بن جبل لفترة قصيرة أيضاً، ثم توحدت الشام كلها تحت ولاية معاوية بن أبى سفيان فى عصر عمر بن الخطاب. وكان لأبى ذر الغفارى قصة خطيرة مع معاوية.