المتحف الكبير.. مصر تشرق من جديد بعد أن حل بها الظلام

مصطفى عمار

مصطفى عمار

كاتب صحفي

كتب المصريون فصلاً جديداً من تاريخهم في افتتاح المتحف المصري الكبير؛ المشروع الذي انتظره العالم لعقود، وأعد له كمنارة حضارية تعكس أن مصر كانت مهد الإنسانية وبذرتها الأولى للعلم والمعرفة، ولا تزال اليوم منارة لنشر المحبة والسلام وقيم الإنسانية عبر كنوزها ومواقفها التاريخية التي تحكي قصة البشر منذ آلاف السنين وحتى اليوم.

المتحف المصري الكبير، الذّي تمّ بناؤه على مساحة تجاوزت 120 فداناً، وهو ما يعادل مساحة مدينة صغيرة، يظهر اليوم كأكبر مجمع مخصص لحضارة واحدة في العالم. ويضمُّ مجموعات هائلة من الآثار المصرية الخالدة، بين مقتنياته تتوهج كنوز توت عنخ آمون كاملة؛ بما يزيد على 5 آلاف قطعة من كنوز المقبرة المعروضة مجتمعةً لأول مرة، إضافةً إلى عشرات الآلاف من القطع الأثرية الأخرى التي لا تقدر بثمن، هذا التجميع الاستثنائي (أكثر من 50 ألف قطعة بحسب تقارير التغطية الدولية) يجعل المتحف رئداً في عرض وتفسير حضارة لم تخترع الكتابة فحسب، بل صنعت مفاهيم الدولة والفنّ والديانة ومفهوم الإنسانية عبر التاريخ.

العالم استقبل الحدث بكثافة إعلامية ودبلوماسية غير مسبوقة: حضر مراسم الافتتاح عشرات القادة ورؤساء وفود رسمية (حضر 79 وفداً رسمياً)، وعلقت الصحف والمواقع الصحفية العالمية على الحفل باعتباره حدثاً ثقافياً ذا بُعد دولي، ومؤشراً على عودة مصر إلى واجهة السياحة والثقافة العالمية، وركزت التغطية الدولية على أن الرسالة الرئيسية للمتحف هي «استعادة الكرامة الثقافية الوطنية والمساهمة في الحوار الحضاري العالمي».

كان خطاب الرئيس عبدالفتاح السيسي موجزاً وصادق التأثير، حيث قال أمام الحضور إن افتتاح المتحف يكتب فصلاً جديداً في قصة هذه الأمة القديمة.. وكانت نبرة البساطة في كلمته ولمحات الفخر الوطني قد أثارت تفاعل الحضور ومشاعر الفخر لدى الملايين في مصر وخارجها. هذه البساطة، مع الصدق، رسّخت انطباع الانتصار الثقافي الذي عمّ الشعب.

الفرحة الشعبية كانت عميقة ومبرَّرة، لم يكن الاحتفال مجرد حدث ثقافي، بل استعادة لقطعة من الكرامة الوطنية، وتعويضاً عن فترات صعبة مرّت بها مصر خلال العقدين الأخيرين، فاحتفال بهذا الحجم أعاد للشعب شعور الانتصار والأمل بالمستقبل. الناس احتفلوا لأن المتحف يرمز إلى قدرة مصر على حماية تاريخها وتقديمه للعالم لكن ليس للبيع، بل للعطاء والاتصال الحضاري.

اقتصادياً وسياحياً، يتوقع الخبراء أن يسهم المتحف في رفع أعداد الزوار إلى مصر وزيادة عائدات السياحة على مدار السنوات المقبلة، وهو ما قد ينعكس إيجابياً على العملة الأجنبية، وأعداد الوظائف في القطاعات الفندقية والخدمية، وإيرادات الدولة من السياحة والثقافة.. فقد راهنت الدولة المصرية على أن يكون المتحف محركاً أساسياً لانتعاش اقتصادي ثقافي متكامل. أما الاحتفالية نفسها فكانت عملاً فنياً متكاملاً: عرض ضوئي بطائرات دون طيار رسمَ توابيت ومشاهد من حكايات الخلود، أوركسترا دولية، فرق استعراضية مستلهَمة من الطقوس الفرعونية، وعروض بصرية وموسيقية جعلت كل لوحة فنية على المسرح تروى مشهداً من تاريخ مصر وتُبهِر الضيوف. كان المشهد كلوحةٍ من نورٍ وماضٍ وحاضر يمتزجان ليمنح العالم دعوة لزيارة مصر والتأمل في أعظم متاحف العالم.

وكما قال توت عنخ أمون في أحد نقوش مقبرته وكأنه عابر للزمن مخاطباً الرئيس السيسي ليلة افتتاح المتحف: «لقد جعلتُ مصر تشرق من جديد بعد أن حلّ بها الظلام».