سيرة إمام نذر حياته للحق.. الأزهر يحتفي بذكرى محمد المسير
سيرة إمام نذر حياته للحق.. الأزهر يحتفي بذكرى محمد المسير
احتفي الأزهر الشريف بالدكتور محمد سيد أحمد المسير أستاذ العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر الراحل، وذلك في ذكرى وفاته التي تحل في مثل هذا اليوم 2 نوفمبر، إذ نشرت مجلة الأزهر مقالا للكاتب والمؤرخ أبو الحسن الجمال، يستعرض فيه جانبا من سيرته ومسيرته.
ذكرى وفاة الدكتور محمد المسير
ويقول الكاتب في مجلة الأزهر الشريف إنَّ الدكتور الراحل محمد المسير كان واضحًا مع النفس صادقًا معها، لم يداهن أحدًا طوال حياته، وإنما اتخذ الصراحة مبدأ ونبراسًا، حارب في كل الجبهات كل الأفكار المارقة التي سادت عصره، وصحح الشائع الذي رسخه المغرضون في أذهان الناس ردحًا طويلًا، وما زال على فكره هذا حتى لقي ربه، إنه الدكتور محمد سيد أحمد المسير، من الأئمة المجتهدين الذين وقفوا حياتهم في الذود عن كتاب الله وسنة نبيه في وجه الأعاصير والزوابع، التي تجتاح الأمة الإسلامية.
سيرة الدكتور محمد المسير
وولد الدكتور محمد سيد أحمد المسير في قرية طبلوها بمركز تلا بمحافظة المنوفية عام 1948م، والده الأستاذ الدكتور سيد أحمد المسير، الأستاذ في كلية أصول الدين بالأزهر الشريف، وكان الوالد معتزًا بالأزهر ودوره. لم يداهن وعرف عنه قول الحق، حيث قال: «لو كان لي من الأبناء عشرة ما علمتهم إلا في صحن الأزهر القديم »، وقد تعلم المسير الأب بالأزهر الشريف، وأظهر نبوغًا في العلم، وطهرًا في الخلق، واستقامة في السلوك، وواصل تعليمه الأزهري، وتخرج في كلية أصول الدين، وآثر طريق العلم، فرفض الوظيفة وتفرغ للدراسات العليا والتخصص رغم مشقة العيش وضيق ذات اليد، وقد حصل على العالمية في التفسير وعلوم القرآن عام 1946 م، وكان موضوع رسالته موقف السنة من القرآن، وهو موضوع يكاد يكون الأول من بابه حينذاك، وعمل بالمعاهد الأزهرية لمدة 15 سنة، ثم انتقل للتدريس في كلية أصول الدين بالقاهرة سنة 1961 م.
وقد انتقد بعض مفكري عصره الذين غلب عليهم فكر الاعتزال، ومنهم أحمد أمين، وقد رد عليه في رسالته للعالمية وخصص فص لهذا الأمر، وكان ينتقد بعض السلوكيات الشاذة في عصره من عري وتبذل وسفور، حتى قال عندما كف بصره وهو في سن الخمسين: «الحمد لله الذي جعلني لا أرى منكر النساء العاريات الكاسيات »، وظل راضيًا صابرًا مقب على الدرس، يذهب إليه برفقة ابنه محمد، الذي تشرب منه أخلاقه، وسار على نهجه، وقد توفي المسير الأب في الثامن من ذي القعدة عام 1395ه، 11 نوفمبر 1975م.
ورث الدكتور المسير العلم أبًا عن جد، حتى والدته كانت حافظة لكتاب الله، وكانت قد رأت في منامها أنها أعطيت دواة ولوحًا وقيل لها: أقرئيه القرآن، وعليها حفظ هو كتاب الله، وواصلت مسيرة التحفيظ لأحفادها، فجلسوا بين يديها يلتمسون البركة والخير والدعاء، وظلت الأم حريصة على العلم وفيَّة للكتاب، فأصرت على أن تتبرع بمكتبة والدها للأزهر، وهي مكتبة حافلة بالمخطوطات ونوادر الكتب وقد شاركت في ترتيبها وتنسيقها، وقد كان الابن محمد لا يستغني عن وجودها بجواره، فذهبت معه تجاور بين الحرمين الشريفين مدة عشر سنين، وهي فترة إعارته إلى المدينة المنورة ومكة المكرمة.
ووهبه والده للأزهر، وكان يلازمه في كل مكان حتى في قاعات الدرس، يتابعه في حواراته ومناقشاته وآرائه، وحصل على الشهادة الإعدادية سنة 1964 م، وحصل على الشهادة الثانوية 1969 م، وظهر نبوغه مبكرًا، فكان الأول في الثانوية الأزهرية على مستوى الجمهورية، ثم التحق بكلية أصول الدين جامعة الأزهر قسم العقيدة والفلسفة الإسلامية، ومنها تخرج عام 1973 م، ثم حصل على الدكتوراه في العقيدة والفلسفة ومقارنة الأديان عام 1978 م، وعمل رئيسًا لقسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية في كلية التربية بجامعة الملك عبد العزيز في المدينة المنورة، ثم أستاذا للعقيدة بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر، 1993م، ثم أستاذًا للعقيدة والأديان في كلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى بمكة المكرمة ما بين عامي 1993 م - 1998 م، وعمل بعد ذلك أستاذا للعقيدة بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر الشريف.

وذكرت مجلة الأزهر بعض مواقفه الجريئة، ومنها اعتراضه على بعض مواد قانون الطفل لأنها تمثل انتهاكًا واضحًا للحدود الشرعية وتساعد على التفكك الأسري بل الخروج على أحكام الإسلام، وقال كلمته في وقت آثر فيه الجميع السلام، وابتعدوا عن الرد لحسابات تخص كل واحد إلا أنه لم يشتر أحدًا بسخط الله.
مؤلفات المسير
وأثرى الدكتور المسير المكتبة الإسلامية بأكثر من أربعين كتابًا في شتى صنوف العلوم الإسلامية، منها: الشفاعة في الإسلام، وقد رد فيه على الدكتور مصطفى محمود حول موضوع الشفاعة، وعبادة الشيطان في البيان القرآني والتاريخ الإنساني، وأصول النصرانية في الميزان: دراسة عن أصول الديانة المسيحية، والرسالة والرسل في العقيدة الإسلامية، والمدخل لدراسة الأديان، والحوار بين الجماعات الإسلامية، وقضية التكفير في الفكر الإسلامي، والرسول في رمضان، ودراسات قرآنية، ومحاولة لتطبيق الشريعة الإسلامية، وقضايا في الفكر الإسلامي.
فكره وآراؤه
تخصص الدكتور محمد المسير في العقيدة والفلسفة الإسلامية إلا أنه كان متشعبًا في كل العلوم الإسلامية، وقد شيعت جنازته يوم الأحد الموافق 2 نوفمبر من عام 2008 م، ودفن في مسقط رأسه، في قرية كفر طبلوها مركز تلا بمحافظة المنوفية.