الإمام الأكبر/ سيد طنطاوي.. في ذكراه

■ كان يفخر بأن مثله الأعلى الشيخ محمد الغزالى، جلس مع صديق له فتذكر شيخه الغزالى وكيف دفن فى البقيع حينها رفع يديه قائلاً: «يا رب أدفن مثل الغزالى فى البقيع»، وفى آخر رحلة حج للإمام سماها «حجة الوداع» وكأنه استشعر قرب المنية، وهذه الحجة قدم فيها أوراقه للحج كشخص عادى فى القرعة على نفقته الخاصة، وفى آخر زيارة للمدينة المنورة مر على البقيع فأمر السائق بالتوقف وذهب للبقيع مع تلميذه السعودى «أنس الكتبى» فقال: البقيع توسع كثيراً، ثم رفع يديه إلى السماء داعياً «اللهم اكتب لى الدفن فى البقيع»، وإذا بدعائه يتحقق فقد ذهب لعضوية التحكيم فى جائزة فيصل العالمية وأثناء مغادرته سقط مغشياً عليه فى المطار، حمل سريعاً إلى أرقى مستشفى فى الرياض تحت رعاية ملكية، ولكنه فارق الحياة.

■ تحدث مندوب الملك عبدالله بن عبدالعزيز لأسرته: إن أذنتم أن يدفن فى البقيع دفناه، وافقوا جميعاً، وإذا بأمنيته تتحقق وهو الذى جاور الرسول سنوات طويلة وهو يدرس التفسير فى الجامعة الإسلامية بالمدينة.

■ أبى الله أن يكرم هذا الولى الصالح ليكرر نفس قصة شيخه الغزالى.

■ هؤلاء أحبوا الله ورسوله وصحابته، وأفنوا أعمارهم فى الدفاع عن هذا النبى العظيم وصحابته، فحق لهم أن يعيشوا ويموتوا إلى جواره.

■ حينما كان مفتياً للديار المصرية كان يرى جواز التبرع بالأعضاء بعد الموت وساند قانونه فقهاً وتشريعاً، ولكى يثبت صدق توجهه ويحث عليه أعلن تبرعه بجميع أجزاء جسده بعد موته، ثارت ثائرة أسرته بعد إعلانه، حدثه ابنه المستشار عمرو: لماذا يا أبت تفعل بنا هكذا، لك أن تتخيل موتك والمستشفى تأخذ أعضاءك، من يتحمل ذلك، رد بهدوء: يا بنى لا تحزن، لا أحد يعلم أين سيموت «وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ»، فنال الثواب بنيته دون جرح مشاعر أسرته.

■ كنت وما زلت أرى كطبيب صحة الرأى الفقهى الذى ذهب إليه الشيخ/ طنطاوى وهو أصح وأدق مما ذهب إليه الشيخ الشعراوى بتحريم ذلك.

■ فى أواخر أكتوبر ولد وفى نفس اليوم تقريباً عين مفتياً لمصر، حمل الإمام د/ طنطاوى لقب الإمام الأكبر فى مارس ١٩٩٦ ليكون الإمام رقم ٤٣ فى هذه المتوالية الذهبية الصالحة، وفى مسيرة أولياء الله الصالحين، وفى شهر مارس نفسه مات ودفن بالبقيع.

■ رسالته للدكتوراه من أروع الرسائل وهى الفاضحة للبغى الصهيونى وكانت بعنوان «بنو إسرائيل فى القرآن والسنة» وظلت تطبع كثيراً حتى توقيع معاهدة كامب ديفيد فتوقف طبعها.

■ ولعل العرب والمسلمين اليوم فى أمَس الحاجة إليها، وخاصة وهم يرون ما يحدث فى غزة ولبنان وسوريا وغيرها.

■ أجمل أيام حياته تلك التى قضاها كرئيس لقسم التفسير فى الجامعة الإسلامية جاور فيها الرسول صلى الله عليه وصحابته الأطهار.

■ رفع الله ذكره فكتابه «التفسير الوسيط» يعد أشهر وأسهل كتاب للتفسير فى العصر الحديث، وقد طبع قرابة ١٦ مرة وترجم إلى خمس لغات، وقد شرحه بصوته كاملاً فى إذاعة القرآن الكريم، وسجل ثلث القرآن تليفزيونياً.

■ حكى الإذاعى الشهير/ سعد المطعنى، الذى أشرف على تسجيلات تفسيره للقرآن أنه وقف عند قوله تعالى «وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً»، فانهمر فى بكاء شديد، فاضطر لإيقاف التسجيل وقال لسعد: اخرج يا سعد يا ابنى وأغلق علىَّ الباب وظل فى حالة بكاء وشجن لمدة ساعة حتى هدأت نفسه وواصلوا التسجيل معه.

■ كان رجلاً زاهداً عفاً، كان يمنع أسرته وأولاده من استخدام سيارة المشيخة، أو استغلال اسمه لنيل أى منفعة خاصة، كان رجلاً بسيطاً سهلاً، لا يكره أحداً، لا يعرف الحقد ولا الضغينة ولا البحث عن الجاه، ولكن الله ساق إليه كل المناصب دون أن يسعى إليها، فنال أعظم المناصب الدينية بقيادته للإفتاء ومشيخة الأزهر، رحمه الله رحمة واسعة.