واحدة من تلك الدراسات، أصدرها الباحث الأمريكى «سام لير»، وهو باحث فى معهد أبحاث السياسة الخارجية الأمريكى، ومركز «جيمس مارتن»، لدراسات منع الانتشار النووى، بعنوان: «الحواجز الضحلة: الدفاعات الجوية والصاروخية فى حرب إسرائيل - إيران يونيو 2025»
رغم إقرار الدراسة الأمريكية بنجاح جيش الاحتلال فى تحقيق «السيادة الجوية»، فى إيران وقت «عمليات يونيو 2025»، التى عُرفت باسم «حرب الـ12 يوماً»، فإن النظام الدفاعى الإسرائيلى تكبد أكبر خسائر له منذ حرب أكتوبر 1973، لتكشف الدراسة عن هشاشة غير متوقعة فى منظومة الدفاع الجوى، مُستعرضة حجم الخسائر الإسرائيلية الحقيقية التى حاولت الحكومة التعتيم عليها، ويكشف كيف حولت إيران الحرب إلى معادلة استنزاف اقتصادى وعسكرى لم تكن إسرائيل مستعدة لمواجهتها، مع بيان مخاوف إسرائيلية من استهداف أنظمة صاروخية أكثر تطوراً وأكثر قدرة، مثل القدرات الصينية أو الكورية الشمالية.
وقالت الدراسة الصادرة عن «معهد أبحاث السياسة الخارجية الأمريكية»، وهو واحد من أشهر مراكز الفكر الأمريكية ذات الصلة الوثيقة بالبيت الأبيض ووزارة الخارجية الأمريكية وأجهزة الاستخبارات الأمريكية: «لفهم حجم الضغط الذى تعرضت له الدفاعات الإسرائيلية خلال حرب يونيو 2025، يجب العودة إلى الوراء قليلاً، وتحديداً إلى عملية (الوعد الصادق الثانية)، التى شنتها إيران على إسرائيل فى أكتوبر 2024، فى أعقاب اغتيال القيادى فى حركة حماس إسماعيل هنية، خلال وجوده فى إيران، فبعد الأداء المخيب للآمال فى عملية (الوعد الصادق الأولى)، التى شنتها إيران فى أعقاب هجوم إسرائيل على سفاراتها فى الأراضى السورية، من خلال خليط غير متناسق من الطائرات المسيرة وصواريخ كروز وصواريخ باليستية أسفرت عن 9 ضربات فقط، أدركت إيران أن عليها إعادة النظر فى استراتيجيتها».
وتضيف الدراسة الأمريكية: «أجرت القيادة العسكرية الإيرانية عملية تحليل دقيقة لأداء الدفاعات الإسرائيلية، خلال عمليتى (الوعد الصادق الأولى والثانية)، وخلصت إلى استراتيجية جديدة أكثر ذكاءً وتركيزاً، فبدلاً من الخليط غير المتناسق، ركزت على إطلاق أعداد كبيرة من الصواريخ الباليستية متوسطة المدى، التى تتميز بموثوقية أعلى وسرعة أكبر تجعل وقت التحذير التكتيكى لإسرائيل قصيراً جداً، كما اتجهت إلى تركيز الضربات على عدد قليل من الأهداف الحيوية بدلاً من تشتيتها، بهدف تشبع الدفاعات الإسرائيلية وإرهاقها فى نقاط محددة».
حروب الشرق الأوسط بمثابة «استنزاف اقتصادى» للاحتلال بسبب الاقتصاد الصغير نسبياً والموارد المحدودة
وواصلت الدراسة الأمريكية: «أثبتت هذه الاستراتيجية نجاحها بشكل لافت للنظر، ففى قاعدة نيفاتيم الجوية الإسرائيلية، وهى واحدة من أكثر القواعد أهمية واستراتيجية، وتُعتبر نقطة التمركز الرئيسية لطائرات (إف 35) الأكثر تطوراً فى إسرائيل، تمكن 32 صاروخاً إيرانياً من اختراق دفاعات تلك القاعدة وتجاوز جميع طبقات الاعتراض، مقارنة بأربعة صواريخ فقط فى الهجوم السابق، وهذا الاختراق لم يكن مجرد رقم، بل كان صفعة استراتيجية لإسرائيل».
وتابعت: «كشف هذا الاختراق عن نقطة ضعف حرجة فى أسطورة الدفاعات الجوية الإسرائيلية، فحتى أكثر الأنظمة الدفاعية تطوراً فى العالم يمكن التغلب عليها من خلال الكم والتركيز والتوقيت، وأثبتت إيران أنها قادرة على فهم الثغرات فى النظام الدفاعى الإسرائيلى واستغلالها ببراعة».
وتوضح الدراسة الأمريكية أن الضربات الصاروخية الإيرانية كانت أكثر إيلاماً لإسرائيل، لدرجة دفعتها إلى طلب تعزيزات أمريكية عاجلة بشكل علنى، فبعد عمليات «الوعد الصادق» الأخيرة، لم تعد إسرائيل تشعر بالثقة فى قدرة نظامها الدفاعى على الصمود بمفرده، وبالرغم من اعتبار الدراسة الأمريكية طلب الدعم من بلادها بمثابة دليل على عمق التحالف الاستراتيجى بين «واشنطن» و«تل أبيب»، فإنه يمثل اعترافاً إسرائيلياً بعدم القدرة على الصمود فى مواجهة الصواريخ الإيرانية بمفردها، ما يظهر للعالم أن أمن إسرائيل النهائى يعتمد على الحماية الأمريكية، وهى خسارة سياسية ومعنوية كبرى تلقى بظلالها على مكانة إسرائيل الإقليمية وقدرتها على ترويع خصومها بمفردها.
أكثر من 500 صاروخ باليستى صينى موجه نحو قواعد أمريكية.. وهى صواريخ أكثر تطوراً وتعقيداً من «صواريخ إيران»
وخلال الحرب التى استمرت 12 يوماً فى يونيو 2025، أطلقت إيران ما يقارب 500 صاروخ باليستى على إسرائيل، بحسب الدراسة الأمريكية، ورغم الادعاءات الإسرائيلية عن نجاحها فى اعتراض تلك الصواريخ، فإن الدراسة الأمريكية استندت على تحليل دقيق لمقاطع فيديو مفتوحة المصدر، وإحصائيات وبيانات، وتصريحات مسئولين غربيين، ترسم صورة مفزعة من حيث التكلفة والاستنزاف الذى تعرضت له إسرائيل جراء تلك الضربات الصاروخية.
وحللت الدراسة مقاطع فيديو التقطها المصور الأردنى زيد العبادى، ووثّقت إطلاق ما لا يقل عن 39 صاروخاً اعتراضياً من نظام «ثاد»، الأمريكى المتطور، ولكن هناك تقارير أمريكية أخرى تتحدث عن إطلاق ما يتجاوز 150 صاروخاً للتصدى للصواريخ الإيرانية، وهو ما اعتبرته الدراسة بأنه «رقم يمثل كمية هائلة من الذخيرة عالية التقنية».
وأكدت الدراسة أنه تم التحقق من إطلاق 34 صاروخاً من نظام «آرو 3» الإسرائيلى، من خلال مقاطع فيديو، لكن التقديرات التحليلية تشير إلى أن الرقم الحقيقى قد يصل إلى 131 صاروخاً اعتماداً على نسب الاستخدام مقارنة بنظام «ثاد» الأمريكى، وقدّرت الدراسة عدد الصواريخ المستخدمة من نظام «إس إم 3» الأمريكى، التى أُطلقت من سفن حربية أمريكية فى البحر المتوسط، بنحو 80 صاروخاً.
واستكملت: «هذه الأرقام، بمجرد تجميعها، تظهر صورة مذهلة، فقد أطلقت إسرائيل والولايات المتحدة، مئات الصواريخ الاعتراضية، التى تعد الأكثر تطوراً وكلفة فى العالم، فى فترة زمنية قصيرة جداً، لا تتجاوز 12 يوماً فقط»، وكشفت الدراسة الأمريكية عن تحليل صادم للتكاليف المباشرة لهذه الاعتراضات، مما يظهر أن الدفاع عن إسرائيل كان إحدى أكثر العمليات العسكرية تكلفة فى التاريخ الحديث، وتعد الأكبر من حيث التكلفة على إسرائيل منذ حرب أكتوبر المجيدة.
وتوضح الدراسة أن سعر الصاروخ الواحد من منظومة «ثاد» الصاروخية نحو 12.7 مليون دولار، ما يعنى أن تكلفة إطلاق إسرائيل 150 صاروخاً للتصدى للصواريخ الإيرانية، بلغ نحو 1.9 مليار دولار، مضيفة: «هذا المبلغ يكفى لبناء مستشفيات متكاملة أو تمويل برامج اجتماعية لآلاف الأسر».
وعن تكلفة إطلاق صواريخ «إس إم 3»، قالت الدراسة إن هناك أكثر من نوع لتلك الصواريخ، وتتراوح تكلفة إطلاق الصاروخ الواحد منها بين 8 و28 مليون دولار، حسب نوعية الصاروخ، ما يعنى أن إطلاق 80 صاروخاً، تقدر تكلفتها ما بين 640 مليون دولار، و2.24 مليار دولار، لافتة إلى عدم وجود إحصائيات أو بيانات تُقدر طراز الصواريخ المستخدمة فى تلك العمليات حتى الآن.
وتشير الدراسة إلى أن تكلفة الصاروخ الواحد من صواريخ «آرو 3»، الإسرائيلية، تُقدر بنحو 4 ملايين دولار للصاروخ الواحد، وأطلق خلال التصدى للصواريخ الإيرانية فى عملية «الوعد الصادق 3»، 131 صاروخاً، بتكلفة 524 مليون دولار»، فيما تعد صواريخ «آرو 2»، الأقل تكلفة خلال المعركة حيث تم إطلاق 9 صواريخ منها، بتكلفة أكثر من 13 مليون دولار: «بجمع هذه الأرقام، نصل إلى تقدير معقول لإجمالى تكلفة الصواريخ الاعتراضية وحدها، بما يتراوح بين 2.7 مليار دولار و4.7 مليار دولار أمريكى خلال 12 يوماً فقط».
تعطيل أنظمة «إس -300» مكّن الطيران الإسرائيلى من السيطرة على سماء «طهران» وتوجيه ضربات جوية مركزة
واستطردت الدراسة: «هذه المليارات أُنفقت فى أقل من أسبوعين لاعتراض صواريخ إيرانية قد لا تتعدى تكلفة إنتاجها جزءاً ضئيلاً من هذه المبالغ، ما يعبر عن معادلة اقتصادية غير متكافئة بشكل صارخ تفضى لصالح المهاجم، حيث يضطر المدافع لإنفاق مليارات الدولارات لمواجهة صواريخ قد لا تتجاوز تكلفتها عشرات أو مئات الآلاف، وهذه هى معادلة الاستنزاف بامتياز، والتى نجحت إيران فى فرضها على إسرائيل»، مُبينة أن هناك خسائر مالية كبيرة فضلاً عن استنزاف المخزون الاستراتيجى للولايات المتحدة وإسرائيل من الصواريخ الاعتراضية، مضيفة: «كشفت الحرب أن مخزونات أقوى أنظمة الدفاع فى العالم محدودة، وقد تستنفد فى حرب إقليمية قصيرة».
أمريكا استنزفت «ربع المخزون العالمى» من صواريخ «ثاد» وثلث مخزونها من صواريخ «إس إم 3» المضادة للصواريخ لدعم إسرائيل
وتشير التقديرات إلى أن الولايات المتحدة قامت بشراء 650 صاروخ ثاد منذ عام 2010، وبعد خصم الصواريخ التى أطلقت فى اختبارات وحروب سابقة، فإن إطلاق 150 صاروخاً خلال التصدى للصواريخ الإيرانية يعنى أن إسرائيل والولايات المتحدة أطلقتا ما يقدر بربع إجمالى المخزون العالمى لصواريخ ثاد فى 12 يوماً فقط، بحسب الدراسة الأمريكية، مضيفة: «والأكثر إثارة للقلق أن معدل هذا الإنفاق يفوق بأشواط أقصى طاقات الإنتاج السنوية الأمريكية، التى بلغت ذروتها 100 صاروخ فى 2019، ولكنها انخفضت إلى 11 فقط فى 2024».
وواصلت: «أما بالنسبة لنظام إس إم 3، فالصورة هنا أكثر قتامة، فبحلول نهاية 2024، كانت الولايات المتحدة قد تلقت 470 صاروخاً من هذا النوع، ومع الأخذ فى الاعتبار الصواريخ التى تم استخدامها فى اختبارات، فإن ما تم استخدامه خلال الحرب هو 80 صاروخاً بنسبة 17% من إجمالى الصواريخ التى أنتجتها الولايات المتحدة فى أقل من أسبوعين، وهذه النسبة ترتفع بشكل أكبر لتصل إلى ما بين الربع والثلث من المخزون الحالى الفعلى».
وحول هذا الاستنزاف الكبير، أكدت الدراسة أن التقرير يشير إلى تصريحات مسئولين أمريكيين أفادوا بأن إسرائيل أصبحت تعانى من نقص حاد فى الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية بنهاية الحرب، وكانت تدخر ما تبقى لديها لمواجهة أى هجمات كبرى مفاجئة، وهذا يعنى أن استمرار الحرب لأيام إضافية قليلة كان سيضع إسرائيل فى موقف بالغ الخطورة، حيث كانت ستفتقد للدرع الواقية التى تحمى مدنها ومنشآتها الحيوية.
الدراسة الأمريكية لم تغفل نجاح إسرائيل فى تحقيق «السيادة الجوية الكاملة» فى إيران خلال المواجهات فى «حرب الـ12 يوماً»، وقالت: «لم يكن تحقيق إسرائيل لما سمته (التفوق الجوى الكامل) خلال الأيام الأولى من الحرب ضربة حظ أو محض مصادفة، بل كان نتيجة لعملية تحضيرية مكثفة وممنهجة استمرت لأكثر من عام، فبعد الهجمات الإسرائيلية الأولية والمناوشات العسكرية بين الجانبين فى عام 2024، أدركت القيادة الإسرائيلية أنها أمام تحدٍّ وجودى يتطلب استراتيجية جديدة».
وواصلت: «أجرت القوات الجوية الإسرائيلية، بدعم استخباراتى أمريكى وأوروبى، عملية دقيقة ومعقدة لـ(تجهيز ساحة المعركة)، شملت سلسلة من الضربات الجوية الجراحية والمُركّزة التى استهدفت بشكل منهجى أهم أركان الدفاع الجوى الإيرانى، وكان التركيز على تعطيل أنظمة الدفاع الأكثر تقدماً، لا سيما أنظمة (إس-300) الروسية التى تمتلكها إيران، والتى تشكل تهديداً حقيقياً للطيران الإسرائيلى، بالإضافة إلى ذلك، استهدفت الضربات الرادارات المبكرة للإنذار، والتى تعتبر عيون النظام الدفاعى الإيرانى، والموجودة بالقرب من الحدود العراقية وحول المنشآت النووية الحساسة».
ورغم أن هذه الضربات الاستباقية حققت هدفها المتمثل فى شل قدرة إيران على التصدى للغارات الجوية الإسرائيلية لاحقاً، ما مكن الطائرات الإسرائيلية من ضرب منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية المتنقلة وشلّ جزء كبير من قدرتها الهجومية، إلا أن هذا (النجاح) يحمل فى طياته أولى وأهم الخسائر الإسرائيلية غير المباشرة، بحسب الدراسة الأمريكية.
ولفتت الدراسة إلى أن استنفاد إسرائيل قدراً هائلاً من الطاقات الاستخباراتية والعملياتية والمالية فى التخطيط والتنفيذ لضرباتها الجوية على إيران، كلفها مئات الملايين من الدولارات، موضحة أن تكلفة اليوم الواحد للحرب مع إيران تجاوزت نصف مليار دولار أمريكى على مدى 12 يوماً من الحرب: «تحليل الصور الفضائية، وجمع المعلومات من المصادر المفتوحة، وتنسيق الضربات لتجنب الدفاعات الإيرانية، كلها عمليات تتطلب موارد بشرية وتقنية ضخمة، وهذه الموارد كان من الممكن توجيهها لقطاعات أخرى، سواء كانت تنموية أو اجتماعية، أو حتى لتعزيز الجاهزية فى جبهات أخرى».
وأضافت: «الأهم من ذلك، أن هذا النهج الهجومى المكلف يثبت أنه لا يمكن تعميمه أو ضمان نجاحه فى كل صراع مستقبلى، فإسرائيل واجهت فى هذه الحرب نظاماً دفاعياً إيرانياً يعانى من مشكلات فى التكامل والقدم، ولكن فى مواجهة خصوم أكثر قوة وتنظيماً، قد لا تنجح نفس الاستراتيجية بنفس الكفاءة، فالاعتماد على هذا النهج يجعل الأمن الإسرائيلى رهينة لاستمرارية التفوق التكنولوجى والقدرة على تمويل عمليات مكلفة باستمرار، وهى معادلة غير مستدامة على المدى الطويل».
واستطردت: «توضح حرب يونيو 2025، من خلال التجربتين الإيرانية والإسرائيلية، أن الدفاع الصاروخى، رغم تطوره المذهل، يبقى نظاماً هشاً ومكلفاً للغاية فى مواجهة هجمات صاروخية مكثفة ومنسقة، فمثلاً، فشل الدفاع الجوى الإيرانى ليس بسبب عدم امتلاك تقنيات متطورة (مثل نظام S-300)، بل بسبب سوء التكامل بين مكونات النظام، وقِدَم بعض الرادارات، ووجود فجوة بين أجهزة الاستشعار وأنظمة الإطلاق، وهذا جعل النظام بأكمله عرضة للضربات الإلكترونية والإعاقة والضربات الجوية الجراحية».
أما بالنسبة للنموذج الإسرائيلى، فقالت الدراسة: «نجح الدفاع الإسرائيلى فى اعتراض عدد كبير من الصواريخ، لكنه فعل ذلك بتكلفة مالية واستراتيجية باهظة كادت تعصف به»، مشددة على أن إسرائيل أدركت بشكل واضح أن «نجاحها فى إيران»، يتحول إلى «استنزاف شديد لها».
وخلصت الدراسة إلى أن الدفاع فى النزاعات الحديثة عالية الكثافة مهمة شاقة ومكلفة، وأن الميزة تكمن غالباً فى يد المهاجم الذى يتحكم فى توقيت وكمية وتركيز الضربات، وأطلقت جرس إنذار للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، قائلة: «إذا كانت مواجهة مع إيران، التى تمتلك ترسانة صاروخية محدودة نسبياً مقارنة بقوى كبرى أخرى، قد استنفدت هذا القدر من المخزونات الأمريكية، فماذا سيحدث حال مواجهة خصوم أكثر قوة؟!»، وشددت الدراسة على أن كوريا الشمالية تمتلك آلاف الصواريخ الباليستية قصيرة ومتوسطة المدى، بالإضافة إلى ترسانة نووية، مضيفة: «الدفاع عن كوريا الجنوبية أو اليابان فى وجه عاصفة صاروخية كورية شمالية، سيتطلب أعداداً هائلة من الاعتراضات تفوق بكثير ما تم استخدامه فى حرب 2025».
واعتبر الباحث سام لير أن الصين تمثل التهديد الأكبر للنظام الدفاعى الأمريكى، مضيفاً: «تمتلك قوات الصواريخ التابعة لجيش التحرير الشعبى الصينى ما يقارب 500 صاروخ باليستى متوسط المدى، موجهة تحديداً نحو قواعد أمريكية فى المحيط الهادى، مثل قاعدة غوام، وهذا العدد يماثل تقريباً عدد الصواريخ التى أطلقتها إيران فى الحرب كاملة، لكن مع فارق جوهرى، وهى أن الصواريخ الصينية أكثر تطوراً وتعقيداً وتدريعاً».
ووصفت الدفاع عن القواعد العسكرية الأمريكية فى مواجهة الإغراق الصاروخى بأنه تحدٍّ بالغ الصعوبة، وأن مخزون الدفاعات الجوية الحالية قد يكون «غير كافٍ»، مضيفة: «الأهم، أن استراتيجية هزيمة الصواريخ، التى تعتمد على الضربات الاستباقية ضد منصات إطلاق الصواريخ مثلما فعلت إسرائيل مع إيران، سيكون من الصعب جداً تنفيذها فى المساحات الشاسعة للمحيط الهادى ضد خصم أكثر قوة من إيران مثل الصين أو كوريا الشمالية».
وأشادت الدراسة الأمريكية فى الوقت ذاته بـ«الدفاعات السلبية الإسرائيلية»، فى قاعدة «نيفاتيم»، موضحة أن 32 صاروخاً إيرانياً اخترق دفاعات تلك القاعدة القوية المهمة، وسقطت على القاعدة فى ضربات مباشرة، منها ضربات على «ملجأ مُحصن للطائرات إف 35»، ولكن تأثير تلك الضربات كان «محدوداً»، بحسب الدراسة الأمريكية، لافتة إلى عدم تضرر أى طائرة إف 35 الإسرائيلية جراء الضربات: «عدد قليل فقط من حظائر الطائرات والمنشآت الثانوية هى التى دُمرت».
خسائر فى «ملاجئ الطائرات».. و«تل أبيب» تعانى نقصاً حاداً من الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية
وعزت الدراسة عدم تدمير الطائرات الإسرائيلية فى تلك القاعدة إلى «الدفاعات السلبية»، مثل ملاجئ طائرات محصنة تحمى الطائرات حتى من الضربات المباشرة، وتشتت الطائرات والمعدات ما يقلل من فرص إصابة أهداف ذات قيمة عالية فى ضربة واحدة، وإصلاح مدرجات إقلاع الطيران بشكل سريع، ما يسمح باستمرار العمليات الجوية حتى تحت القصف، فضلاً عن بناء ممرات إضافية لإقلاع الطائرات، لزيادة مرونة القاعدة.
نظام الدفاع الصاروخى الإسرائيلى هش ومكلف للغاية فى مواجهة هجمات صاروخية مكثفة ومنسقة
وقالت الدراسة: «هذه التدابير، هى أرخص نسبياً وأكثر فاعلية من حيث التكلفة فى الحفاظ على القدرة القتالية للقواعد العسكرية، مقارنة بالاعتماد الكلى على الصواريخ الاعتراضية باهظة الثمن»، وبيّنت أن منظومة القبة الحديدية الإسرائيلية ومثيلاتها من أنظمة الدفاع الجوى ليست إلا «حواجز ضحلة»، يمكن اختراقها بعاصفة من الصواريخ مدروسة التوقيت والتركيز، مؤكدة أن إسرائيل تلقت خسائر مالية «طاحنة»، فى حرب الـ12 يوماً مع إيران، والتى تقدر بمليارات الدولارات.
وشددت على أن حروب الشرق الأوسط هى بمثابة «استنزاف اقتصادى»، مضيفة: «إسرائيل التى تعتمد على اقتصاد صغير نسبياً وموارد محدودة، هى الطرف الأكثر تضرراً من هذه المعادلة الجديدة، لقد خسرت إسرائيل فى حرب يونيو 2025 أكثر مما تريد الاعتراف به، وكسبت إيران، رغم كل خسائرها (رهان الردع) الذى سيطول أمده».