حكم قضائي مسموع
كعادتى عند التفكير فى الكتابة عن أى موضوع، أتجه أولاً إلى محرك البحث جوجل، للوقوف على ما إذا كانت هناك كتابات أو دراسات سابقة عن الموضوع.
وسيراً على هذه العادة، وعند كتابة عبارة «حكم قضائى مسموع» على محرك البحث جوجل، جاءت الإجابة من تطبيق الذكاء الاصطناعى المرتبط بمحرك البحث جوجل على النحو التالى:
«حكم قضائى مسموع» يشير غالباً إلى الحصول على نسخة مكتوبة أو نصية من الحكم القضائى أو إلى سماع منطوق الحكم بشكل مباشر.
يمكن البحث عن الأحكام القضائية المتاحة بشكل عام عبر البوابات الإلكترونية لبعض الجهات القضائية لتعزيز الشفافية ونشر الوعى القانونى.
وفى يوم الأحد الموافق الثانى من شهر سبتمبر 2025م، أعدت كتابة عبارة «حكم قضائى مسموع» على محرك البحث جوجل، فجاءت إجابة تطبيق الذكاء الاصطناعى المرتبط بمحرك البحث الأشهر على مستوى العالم، كما يلى:
«حكم قضائى مسموع» يشير غالباً إلى منصة إلكترونية لنشر الأحكام القضائية التى تمكن الأفراد من الاطلاع عليها رقمياً، أو قد يشير إلى جلسات المحاكمة عن بُعد التى تُعقد بالوسائل المرئية والسمعية، حيث يُسمح بسماع الشهادات والأقوال.
هذا النوع من الخدمات يعزز الشفافية القضائية ويتيح الوصول إلى المعلومات القضائية بسهولة.
وفيما عدا ذلك، لا توجد أى نتيجة من نتائج البحث ذات صلة بالموضوع الذى نحن بصدده.
والواقع أن «الحكم القضائى المسموع» يختلف جذرياً عن «سماع منطوق الحكم». كذلك، فإن الحكم القضائى المسموع يختلف تماماً عن جلسات المحاكمة عن بُعد التى تُعقد بالوسائل المرئية والسمعية.
ويختلف الحكم القضائى المسموع عن توثيق المحاكمات صوتاً وصورة فى المحاكمة الجزائية، والتى بدأت بعض الأنظمة القضائية فى تطبيقها مؤخراً.
فالمراد بالحكم القضائى المسموع هو توفير خدمة الحصول على الحكم بشكل مسموع، من خلال تحويل النص المكتوب إلى نص مسموع.
بيان ذلك أن مبدأ الكتابة هو أحد المبادئ القضائية المقررة لصحة الحكم. فلا يكفى مجرد النطق بالحكم، بل يجب أن يكون مكتوباً حتى يشهد على وجوده القانونى.
فيجب إذن إثبات منطوق الحكم فى محضر الجلسة ويوقع عليه رئيس المحكمة وكاتبها ويودع فى الميعاد المقرر قانوناً (المادة 373/1 من قانون الإجراءات الجنائية المصرى).
وفى هذه الورقة المكتوبة يشترط توافر بيانات معينة هى التوقيع، وبيانات الديباجة، والأسباب، والمنطوق.
ولا يحتم القانون أن يرد كل من هذه البيانات فى مكانه بالحكم. ويجب أن يحرر الحكم بخط واضح يُقرأ بسهولة، حتى يمكن قراءته ومعرفة جميع بياناته وأسبابه.
فإذا حُرر الحكم بخط غير مقروء أو أفرغ فى عبارات عامة معماة أو وضع فى صورة مجهلة، فلا يحقق الغرض الذى قصده المشرع من وجوب تسبيب الأحكام ويعجز محكمة النقض عن مراقبة حسن تطبيق القانون.
ويجب أن تُحفظ نسخة الحكم الأصلية حتى تستنفد طرق الطعن فيه (المادتان 556 و557 من قانون الإجراءات الجنائية المصرى).
ولا ينازع أحد فى ضرورة كتابة الحكم، متضمناً منطوقه وأسبابه.
ولكن، ما نراه هو الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة فى توفير خدمة النسخة المسموعة من الحكم القضائى، جنباً إلى جنب مع النسخة المكتوبة المقروءة.
فالحكم القضائى موجه إلى الجمهور باختلاف ثقافاتهم وأطيافهم، وينبغى بالتالى أن يراعى احتياجات الجميع، أياً كانت درجة أو مستوى ثقافتهم. وقد يكون من بينهم من لا يتقن القراءة والكتابة.
بل إن معظم المجرمين هم من غير ذوى المستوى الثقافى والتعليمى العالى.
ولعل ذلك يقودنا إلى نقطة أخرى على درجة كبيرة من الأهمية، وهى ضرورة تبسيط لغة الأحكام القضائية، بحيث يكون فى مكنة الجميع أو على الأقل السواد الأعظم من الناس فهمها والوقوف على منطقها والأساس القانونى والأخلاقى لها.
والواقع أن ما دفعنى إلى التفكير فى هذا الموضوع والكتابة عنه هو أننى أثناء مطالعتى لبعض مقالات الرأى المنشورة على الموقع الإلكترونى لصحيفة الخليج الإماراتية، أجد مكتوباً تحت عنوان المقال، بيان مدة القراءة، والنسخة المسموعة من المقال.
وبدوره، يوفر موقع «العربية نت» خدمة الاستماع إلى الخبر أو التحقيق الصحفى أو المقال، مع التنبيه إلى أن «النص المسموع تلقائياً ناتج عن نظام آلى».
ويبدو أن ذلك يأتى تعزيزاً للشفافية فى التعامل مع القارئ.
كذلك، وأثناء مطالعتى للنسخة الإلكترونية من بعض الصحف الأجنبية، لاحظت أن ثمة خدمة مقدمة للقراء، تتمثل فى الاستماع إلى الخبر أو المقال، مع تحديد المدة الزمنية التى يستغرقها سماع المقال أو الخبر.
فعلى سبيل المثال، فإن صحيفة نيويورك تايمز (The New York Times) توفر هذه الخدمة على الصفحة الإلكترونية لها. والأمر ذاته نجده فى الموقع الإلكترونى للصحيفة الأمريكية الشـهيرة واشنطن بوست (The Washington Post).
ومن ثم، يبدو من الطبيعى التفكير فى توفير الخدمة ذاتها للأحكام القضائية.
وهذا التفكير يبدو منطقياً وملحاً إذا كانت التكلفة المالية المترتبة على تطبيق هذه الخدمة قليلة جداً، وتكاد تكون معدومة.
بيان ذلك أن ثمة تطبيقات ذكية تقوم بتحويل النص المكتوب إلى نص مسموع، ومنها تطبيق (Elevenlab). وثمة تطبيق مجانى اسمه (Read Aloud) يقوم بتحويل النص المكتوب إلى صوت مسموع. وتكلفة هذه التطبيقات الذكية قليلة جداً، وتكاد لا تذكر.
وتكفل هذه الخدمة حال تطبيقها تقريب مرفق القضاء من الأشخاص الذين لا يجيدون القراءة، وكذا من فاقدى البصر الذين لا يستطيعون القراءة بحكم فقدانهم البصر، وبحيث تعتبر خدمة «الحكم القضائى المسموع» بديلاً مبتكراً للغة برايل.
ولعل أهمية خدمة «الحكم القضائى المسموع» تتضح إذا علمنا أنه لا توجد جهة قضائية واحدة على مستوى العالم توفر نسخة من الأحكام القضائية بلغة برايل.
ولكل ما سبق، نعتقد من المناسب البدء فوراً فى تطبيق خدمة النص المسموع على الأحكام والأوامر القضائية الصادرة عن المحاكم والنيابات، وبحيث يتم ذلك سواء تمت مطالعة الحكم أو الأمر بشكل إلكترونى أو تمت مطالعته بشكل ورقى من خلال تقنية (QR Code).
وقد بدأت دائرة القضاء فى إمارة أبوظبى فى اتخاذ الإجراءات اللازمة نحو تطبيق خدمة الحكم القضائى المسموع.
وفى حالة تطبيق هذه الخدمة، ستكون دائرة القضاء فى إمارة أبوظبى هى الجهة القضائية الأولى على مستوى العالم التى تقوم بتقديم هذه الخدمة للمتعاملين معها.
وحتى تاريخه، لا توجد خدمة رسمية أو مصدر عام موحد يقدم «أحكاماً قضائية مسموعة» للجمهور بشكل روتينى أو شامل.
فالأحكام القضائية عادة ما تكون وثائق مكتوبة ومتاحة عبر أنظمة إلكترونية رسمية تابعة لوزارات العدل فى مختلف الدول، ولكن بصيغة نصية.