الكتكوت الجركسي

حينما تَجِد فى الأمور أمور نرى كل طرف من الأطراف الموجودة على مسارح الصراع، تبدأ فى اللعب لصالحها داخل الغرف المغلقة، فى الوقت الذى تدعى فيه المثالية والدفاع عن الحقوق خارجها.

لا تجد نموذجاً على ذلك خيراً مما وقع خلال أحداث الثورة العرابية التى قادها أحمد عرابى زعيم الفلاحين.

بدأت الثورة -كما تعلم- بتحرك كبار الضباط المصريين ضد عملية الاضطهاد الممنهج الذى تمارسه القيادات الجركسية، وعلى رأسها ناظر الجهادية عثمان رفقى، والتى أخذت أشكالاً عدة، منها وضع سقف للترقيات، وحرمانهم من الكثير من الحقوق المالية، وإحالتهم إلى الاستيداع دون داعٍ وغير ذلك.

والجراكسة كما تعلم هم آخر سلالة من سلالات المماليك التى عاشت فى مصر، وحكمتها منذ عهد السلطان برقوق وحتى السلطان طومان باى، ولم يؤدِّ استيلاء العثمانيين على مصر 1517 إلى انتهاء هذه الطائفة، بل دخلت كجزء من مُرَكّب الحكم، وكان الوالى العثمانى عبارة عن صورة.

أما صانع القرار الحقيقى فكان المملوك الجركسى الجالس على مقعد «شيخ البلد»، وحتى بعد المذبحة التى قادها محمد على ضدهم عام 1811، لم يغِب هذا العنصر عن مسرح السلطة، بل ورث أبناء المماليك المذبوحين فى القلعة الدور، وأصبحوا بمرور الوقت جزءاً من مركب السلطة التى تحكم حتى عصر «عرابى».

أدت الثورة إلى الإطاحة بعثمان رفقى الجركسى، وتولى مكانه محمود سامى البارودى.

ومن اللافت أن «البارودى» هو الآخر كان جركسياً، فجده لأبيه هو عبدالله باشا الجركسى، وكان قائداً عسكرياً أتى إلى مصر ضمن حاشية أحد الحكام المماليك، لكن ذلك لا يمنع أن ناظر الجهادية الجديد قد تمصر، وصار بمرور الوقت مصرياً خالصاً، ما جعل قادة الثورة العرابية يختارونه دون غيره ليحل محل عثمان رفقى (الجركسى المغضوب عليه) فى نظارة الجهادية، لكن يبقى أن أصله الجركسى مثّل السبب الأهم لموافقة الخديو على تعيينه فى هذا الموقع، خشية غضب القيادات الجركسية التى كانت تتحكم فى نظارة الجهادية حينها.

الانتماء الجركسى كان يمثل ورقة مهمة على مسرح الصراع، لعب بها العرابيون، ووظفها الخديو، واستفاد منها بعض الطامحين إلى الصعود السياسى، أما نتائج الصراع فقد كانت تسقط دائماً فى حجر الشعب الذى تحمس قطاع منه للعرابيين، وهتف باسم «عرابى» زعيم الفلاحين، وهاجم الخديو توفيق: «يا توفيق يا وش النملة مين قال لك تعمل دى العملة»، فى حين غضب قطاع آخر مما يحدث ولم يعجبه الهوجة التى ضربت البلاد من قبليها إلى بحريها، وهو القطاع الذى لم يجد غضاضة فى تسيّد الجراكسة للمشهد، وكان يشبّه الفرد من السلالة الجركسية فى مصر بالكتكوت الجركسى، هذا التعبير الشعبى الذى كان يستخدمه المصريون فى وصف الشخص اللطيف البرىء الجميل الملامح صاحب الجمال الأوروبى الأخاذ.

ومؤكد أن الكتكوت الجركسى كان يختلف كل الاختلاف عن الكتكوت البلدى.