شهادات حية عن أوضاع الأسرى في سجون إسرائيل الحلقة (8).. وسيم مليطات: أعيش كطفل خرج لتوه للحياة.. وإصابة والدي بالسرطان أقسى خبر تلقيته

كتب: رؤى ممدوح

شهادات حية عن أوضاع الأسرى في سجون إسرائيل الحلقة (8).. وسيم مليطات: أعيش كطفل خرج لتوه للحياة.. وإصابة والدي بالسرطان أقسى خبر تلقيته

شهادات حية عن أوضاع الأسرى في سجون إسرائيل الحلقة (8).. وسيم مليطات: أعيش كطفل خرج لتوه للحياة.. وإصابة والدي بالسرطان أقسى خبر تلقيته

فى إحدى زوايا غرفته بمقر إقامته المؤقت بالقاهرة، جلس وسيم مليطات، الأسير الأربعينى المحرر، يحدّق فى شاشة هاتفه المحمول، يحاول أن يلتقط أنفاسه بعد أن تسللت إلى أذنيه كلمات هزّت كيانه: «والدك مصاب بالسرطان»، جاءه الصوت من والدته، فارتجف للحظة، ثم همس بالاستغفار. كان لا يزال يتذوق طعم الحرية بعد أكثر من عقدين خلف قضبان سجون الاحتلال الإسرائيلى، لكنّ الخبر أعاد إليه ثقل العالم دفعة واحدة.

وسيم مليطات

26198813_2057.jpg

■ فى البداية حدّثنا عن نفسك وظروف اعتقالك.

- أنا وسيم شاهر مليطات، أبلغ من العمر 41 عاماً، من بلدة بيت فوريك فى قضاء مدينة نابلس بالضفة الغربية المحتلة، اعتُقلت فى 6 يونيو 2002 على خلفية نشاطى النضالى فى مقاومة الاحتلال الإسرائيلى، وتم الحكم علىّ بالمؤبد و30 سنة إضافية، وهنا لا بد أن أذكر أن القاضى فى محاكم الاحتلال هو الجلاد نفسه، لذلك كانت الأحكام بحقنا دائماً جائرة ومجحفة، وهى تعبر أيضاً عن زيف هذه المنظومة القضائية الإسرائيلية التى تحكم الفلسطينيين بمجموعة من القوانين العسكرية والقوانين التى تتيح لإسرائيل الدفاع عن احتلالها وممارسة انتهاكاتها بحق الشعب والأرض الفلسطينية.

■ كنت فى السابعة عشرة عند اعتقالك، واليوم أنت فى الحادية والأربعين، كيف تقرأ هذه الفجوة الزمنية؟

- الجواب عن هذا السؤال ليس سهلاً، لأنه يمر عبر محطات كثيرة من حياتى. قضيت فى الأسر أكثر مما عشته خارجه، وهذا وحده كافٍ ليختصر حجم التغيير، فبالتالى هناك أشياء كثيرة تغيرت من حولى، وفى العالم، فالاعتقال وفقدان الحرية شىء قاسٍ وصعب، وبالتالى أنت تعيش فى حالة من عدم اليقين، تسأل نفسك هل أنت موجود فى هذا العالم أم لا؟! نحن الأسرى كنا نعيش على هامش الحياة، وبالتالى تعترينا مشاعر وعواطف لها علاقة بالاغتراب وبعدم الإحساس أحياناً بالوجود. لذلك كنت أنا أو إخوانى من قبلى، وأيضاً الذين رافقونى، نعمل على مقاومة الاعتقال، فخلقنا فلسفة خاصة بنا، وبالتالى بدأنا نبحث عن الذات، بحكم أننا اعتُقلنا فى سن مبكرة، لكننا حاولنا مقاومة هذا الاغتراب. خلقنا فلسفة لمواجهة الاعتقال. أكملت دراستى داخل السجن، أنهيت الثانوية العامة، ثم حصلت على بكالوريوس فى التاريخ، وبعدها بكالوريوس آخر وماجستير فى العلوم السياسية، وكنا نسعى دائماً لتطوير الذات؛ لنحاول مواكبة الحركة السريعة فى العالم التى تحدث من حولنا ونحن على هامشها بحكم الأسر.

■ ذكرت أن والدك يعانى من السرطان، كيف تلقيت هذا الخبر بعد الإفراج عنك؟

- نعم، كان ذلك من أقسى ما مرّ علىّ بعد تحررى. والدى أصيب بسرطان الرئة قبل أربعة أشهر من الإفراج، لكن عائلتى أخفت عنى الأمر داخل السجن حتى لا أعيش فى قلق وعجز. كنت أظن أن انقطاعه عن زيارتى بسبب الحرب على غزة، إذ كانت إدارة السجون تمنع الزيارات فى تلك الفترة. وبعد خروجى بأيام اتصلت بى والدتى وأخبرتنى بالحقيقة. شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدمى. كنت أحلم أن أحتضن والدى وأحتفل معه بالحرية، لكن وجدت نفسى أمام وجع آخر. والدى هو قدوتى ومثلى الأعلى، مناضل أمضى أكثر من عشر سنوات فى السجون الإسرائيلية. وبعدما تمالكت نفسى تحدثت إليه، كان كما عهدته دائماً، قوياً، صاحب إرادة قوية، رفض الاستسلام للمرض، لديه إصرار على مواصلة الحياة كما كان دوماً، قاوم الاحتلال من قبل، والآن يقاوم المرض. وإن شاء الله سينتصر عليه.

وسيم

■ حدّثنا عن أصعب ما مررت به داخل السجن.

- أصعب ما فى الأسر هو فقدان الحرية والبعد عن الأهل. أن تكبر بعيداً عنهم، أن تغيب عن تفاصيلهم الصغيرة. إحدى شقيقاتى تركتها طفلة صغيرة، واليوم التقيتها أماً لأطفال فى عمرها يوم اعتُقلت.

كان اللقاء الأول معها لحظة لا يمكن وصفها بالكلمات لا يمكن تصور حجم العواطف التى حدثت جرَّاء عناقهم، منذ ذلك اليوم، لم أستطع النوم ساعات طويلة، أريد أن أظل مستيقظاً حتى أتأكد أننى فعلاً حر، ورغم عدم تمكنى من احتضان والدى ووالدتى إلا أن لقائى مع عمى وشقيقاتى قد حرك كل الوجدان والعواطف والمشاعر الإنسانية التى بداخلى. وكأنها كانت فى حالة ركود، وتحركت فجأة، وهذه هى المرة الأولى التى أرى فيها عمى منذ اعتقالى، لأن الاحتلال يصنف العم والعمة والخال والخالة وابن الأخ وابن الأخت درجة ثانية، وبالتالى يمنعنا من التواصل معهم. أما على صعيد المعاناة داخل السجن، فكانت سنوات الحرب على غزة من الأسوأ على الإطلاق. فى سجن جلبوع شديد الحراسة، وهو آخر مكان وجدت فيه، تعرضنا لاعتداءات قاسية؛ ضرب مبرح، استخدام الغاز المسيل للدموع، الصعق بالكهرباء، وسياسة تجويع ممنهجة. أجسادنا أصبحت شاهدة على ما واجهناه من عنف وتعذيب.

■ كيف استقبلت الحرية بعد أكثر من عقدين من الغياب؟


- منذ يومى الأول فى الأسر لم أفقد الأمل. كنا نؤمن أننا سنكون أحراراً يوماً ما، وقبل الصفقة بأيام لم يكن لدينا تأكيد رسمي. كنا نسمع أخباراً متفرقة عن مفاوضات فى القاهرة. ومع ذلك، كنت أستعد داخلياً للحرية. جهزت ملابسى، وودّعت زملائى، وقلت لهم بثقة: سأحجز مقعدى فى الحرية خلال ساعات. ضحكوا وقالوا إن تفاؤلى دائماً مفرط، لكن فى النهاية أصبحت حراً وكنت آخر أسير خرج من قسمنا تلك الليلة.
وبالنسبة لنا الحرية كانت حلماً نزرع الأمل فيه يوماً بعد يوم. لكن عندما تحققت، لم أصدقها بسهولة. كنت فى حالة إنكار بين النوم واليقظة. خلال الأيام الأولى بعد الإفراج لم أنم إلا ساعتين أو ثلاثاً فى اليوم، كنت أخشى أن يكون ما أعيشه حلماً، وأن أستيقظ لأجد نفسى ما زلت فى الزنزانة، وعندما وصلت إلى مصر، كانت المفاجأة الكبرى هى حرارة استقبال الشعب المصرى. وجدنا دفئاً ومحبة غير متوقعة. نحن العرب والفلسطينيين على وجه التحديد هوانا مصرى، ثقافتنا متأثرة بشكل كبير بأرض الكنانة، عشنا فترة طويلة على المسلسل والفيلم والأغانى والنضال المصرى، قُلت لرفاقى حينها: «كانوا يدرسون لنا أن أعظم ما فى مصر الأهرامات وأبوالهول، لكنى اكتشفت أن أعظم ما فيها هو روح المصريين أنفسهم»، لقد شعرنا أن القومية العربية التى ألهمت حركات التحرر فى القرن الماضى لا تزال حية فى هذا الشعب الطيب.

■ ما أبرز العادات أو السلوكيات التى ما زالت تلازمك من داخل السجن؟

- هناك أشياء كثيرة ما زلت أقوم بها بشكل لا إرادى. مثلاً، إذا طرق أحد باب غرفتى وأنا أمسك بالهاتف، أخفيه فوراً، كأننى ما زلت أخشى تفتيش السجانين. أحياناً أقول لإخوانى من الأسرى المحررين نريد أن نخرج من القسم، رغم أننى فى فندق، لأن هذه الكلمة ارتبطت فى ذاكرتى بالمساحة الوحيدة المسموح لنا فيها بالحركة داخل السجن ونحن نستخدم هذا المصطلح لما يقرب من ربع قرن. عندما أقف أو أتحدث إلى أى شخص لا بد أن تكون ذراعى مفرودتين إلى جانبى، حيث كنا نقف هكذا فى السجن، حتى المشى فى مساحات واسعة أمر غير مألوف لى، فقد كانت حياتنا محصورة بين جدران وأسلاك. فالسجون هى عبارة عن غابة أسمنتية، فيها تجسيدات مؤلمة للنفس وللعين وللروح. وبالتالى الحياة داخل الأسر لسنوات طويلة برأيى تحدٍّ من الخيال والعقل والوجدان، كما لم أستوعب بعد مدى الرؤية الطويلة واللامحدودة، لم أستوعب بعد أن هذا البصر أستطيع أن أحركه بإرادتى فى أى اتجاه، هذه أمور جديدة علينا.

■ كيف أثّرت سنوات السجن الطويلة فى رؤيتك للعالم؟

- فوجئت جداً بحجم التحولات؛ حين دخلت السجن كان العالم مختلفاً تماماً. لم تكن هناك هواتف ذكية ولا وسائل تواصل اجتماعى كما اليوم. عندما خرجت وجدت نفسى أمام عالم تغيّر جذرياً، التكنولوجيا قرّبت المسافات وجعلت العالم قرية صغيرة، بينما نحن كنّا معزولين تماماً عن هذا التطور. أشعر أننى بحاجة لإعادة تعريف الأشياء من حولى، معنى الوقت، والمكان، والتواصل، وحتى الحرية نفسها.

■ بعد أكثر من عقدين من الغياب، ما الأحلام التى تسكنك اليوم؟

- أحلامى اليوم تنقسم إلى اثنين؛ الأول هو حلمى الجمعى المرتبط بشعبى أن نحصل على الحرية والاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية، وأن نعيش كبقية شعوب الأرض بحرية وكرامة. أما الحلم الثانى فهو شخصى، أن أُكوّن أسرتى الخاصة، وأبنى حياة بسيطة وهادئة تعوضنى عن سنوات الأسر الطويلة. ورغم تغيّر العالم من حولى، لكن ما زالت أحلامى حية بلا قيود، لأن الإنسان بلا حلم يفقد معنى وجوده، والحرية بالنسبة لنا ليست حدثاً، بل رحلة طويلة من التعافى النفسى والإنسانى. وأنا أقول دائماً إن المهمة الكبرى لكل أسير خرج من السجن أن يتعلم كيف يعيش حراً، لا فقط أن يتحرر من القيد.


مواضيع متعلقة