يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو خطر الاعتقال فى أى وقت، وإن بدا هذا الأمر بعيداً نسبياً لأسباب تتعلق بالولايات المتحدة التى ستقف عائقاً قوياً، والدول الغربية ومدى قدرتها على التنفيذ، فمنذ أيام قليلة، رفضت المحكمة الجنائية الدولية الاستئناف الذى تقدمت به إسرائيل لإلغاء مذكرتى الاعتقال الصادرتين بحق رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت.
القرار جاء على خلفية تطورات إقليمية أبرزها إعلان وقف إطلاق النار فى غزة وفق خطة السلام الأخيرة للرئيس ترامب، وأثار تساؤلات حول ما إذا كانت تلك التطورات ستؤدى إلى وقف الملاحقات القضائية للمسئولَين الإسرائيليَّين، الأمر الذى أشعل الجدل مرة أخرى حول ما إذا كانت للمذكرتين تبعات تُذكر. ففى 18 أكتوبر من الشهر الماضى رفضت غرفة التحقيق الأولية فى الجنائية الدولية استئناف إسرائيل ضد المذكرتين، مؤكدة اختصاص المحكمة فى التحقيق فى الوضع الفلسطينى، وكانت الجنائية الدولية قد أصدرت مذكرة اعتقال ضد «نتنياهو وجالنت» فى 21 نوفمبر 2024 بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بما فى ذلك استخدام التجويع كوسيلة حرب للقتل والاضطهاد وأعمال غير إنسانية أخرى خلال الحرب على غزة منذ الثامن من أكتوبر 2023 حتى مايو 2024، حيث لا تزال المذكرة سارية المفعول ولم يتم سحبها أو إلغاؤها خاصة أن لجنة تحقيق أممية أوصت بإضافة تهم الإبادة الجماعية إلى المذكرات ضد القادة الإسرائيليين بناءً على انتهاكات لاتفاقية الإبادة الجماعية عام 1948 وذلك رغم التحديات القانونية التى قدمتها إسرائيل.
المذكرة تواجه تحديات كبيرة فى التنفيذ، إذ لا تملك الجنائية الدولية قوة تنفيذية مباشرة وتعتمد على الدول الأعضاء فى اتفاقية روما (124 دولة) لاعتقال المشتبه بهم إذا دخلوا أراضيها، رغم إعلان دول مثل الاتحاد الأوروبى، كندا، إسبانيا، النرويج، جنوب أفريقيا، والمملكة المتحدة التزامهم بالاعتقال فى حال زار «نتنياهو» أراضيهم، غير أن الخبراء يرون ذلك مستحيلاً عملياً. حيث سارعت الولايات المتحدة تحت ولاية ترامب الثانية وقامت بفرض عقوبات على المحكمة فى فبراير 2025 بينما انسحبت المجر من المحكمة فى أبريل 2025 أثناء زيارة «نتنياهو»، وهناك دول أخرى ما زالت تبحث فى إمكانية السماح بزيارات دون اعتقال بسبب الحصانة الدبلوماسية مثل فرنسا وألمانيا. لكن صعوبة تنفيذ الاعتقال لم تمنع القيود المفروضة على سفر «نتنياهو»، مثل تجنب مجالات جوية فرنسية وإسبانية أثناء زيارته للجمعية العامة للأمم المتحدة فى سبتمبر الماضى، وزيارته للمجر بدون اعتقال التى تعتبر من أهم حلفاء إسرائيل.
رغم الرمزية القوية لمذكرتى الاعتقال، فإنهما لم تفضيا إلى أى تداعيات دراماتيكية ملموسة حتى الآن، ربما باستثناء تقييد حركة سفر رئيس الوزراء الإسرائيلى الذى اضطر، وفق صحف إسرائيلية وغربية، إلى اتخاذ طريق أطول من اللازم أثناء رحلته إلى نيويورك الشهر الماضى لتفادى المجالات الجوية لبعض البلدان الأوروبية حتى لا تكون تلك البلدان مضطرة لتنفيذ مذكرة الاعتقال. ورغم أن بعض الدول فرضت حظراً كلياً أو جزئياً على تصدير الأسلحة لإسرائيل، لكن الخطوة لم يكن لها تأثير يذكر فى ضوء مواصلة الولايات المتحدة دعمها العسكرى لها.
وعلى الرغم من الأهمية «المعنوية والقانونية» لقرارات المحاكم الدولية، لكن لا أعتقد أننا سوف نشهد أى شكل من أشكال تفعيل هذه القرارات ضد إسرائيل على المدى القصير أو المنظور، لكنها من الممكن أن تأتى بثمارها فى المستقبل وتؤدى إلى عقوبات قانونية ضد قيادات إسرائيلية.
قرار المحكمة الجنائية الإبقاء على مذكرتى الاعتقال بحق «نتنياهو وغالانت» يعزز سلطتها القضائية، لكنه فى الوقت ذاته يبرز الفجوة بين الأحكام القضائية والواقع السياسى. وبينما تعكس هذه القضية تنامى جرأة المؤسسات القضائية الدولية، فإنها تسلط الضوء كذلك على القيود التى تواجهها من قبل الدول القوية. وفى النهاية فإن مذكرة الاعتقال تمثل خطوة رمزية نحو المساءلة، لكن نجاحها يعتمد على إرادة المجتمع الدولى التى تبدو مشتتة حتى الآن.