د. منجي علي بدر يكتب: «القومي لحقوق الإنسان».. دلالة الثقة والإصلاح المؤسسي

كاتب صحفي

يُعد المجلس القومى لحقوق الإنسان فى مصر المؤسسة الوطنية المعنية بحماية وتعزيز حقوق الإنسان داخل الدولة المصرية.

وقد نجح المجلس القومى لحقوق الإنسان فى مصر مؤخراً فى الحفاظ على تصنيفه الدولى من الفئة (A)، الصادر عن التحالف العالمى للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان (GANHRI)، وهو أعلى تصنيف يمكن أن تحصل عليه مؤسسة وطنية فى هذا المجال.

ويعكس هذا الإنجاز استمرار الاعتراف الدولى بمدى توافق أداء المجلس مع مبادئ باريس، التى تُعد المرجعية الأساسية لاعتماد المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، من حيث الاستقلالية والشفافية والمصداقية والتأثير فى السياسات العامة.

ومعنى التصنيف «A» أنه يمنح للمؤسسات الوطنية التى تتوافق كلياً أو إلى حد كبير مع معايير باريس، مما يخولها حقوق مشاركة أوسع فى المنظومة الأممية، من حيث التمثيل والمداخلات والمشاركة فى المنتديات الدولية، كما يدعم موقف مصر فى منتديات حقوق الإنسان.

وجاء تجديد التصنيف بعد مراجعة شاملة لملفات عمل المجلس، شملت الإطار القانونى والتشريعى المنظّم له واستقلاله المالى والإدارى، وقدرته على أداء مهامه الرقابية والاستشارية دون تدخل من السلطات التنفيذية.
ويُعد الحفاظ على هذا التصنيف تأكيداً على نجاح جهود الإصلاح المؤسسى، التى شهدها المجلس خلال الأعوام الأخيرة، خاصة بعد تحديث بنيته الإدارية واعتماد خطة استراتيجية تركز على تعزيز منظومة الحماية الميدانية وتطوير آليات تلقى الشكاوى، وتحسين التفاعل مع المجتمع المدنى ووسائل الإعلام.

وقد شهدت الفترة الأخيرة توسعاً ملحوظاً فى نشاط المجلس على المستويين الداخلى والدولى، إذ أطلق المجلس تقريراً سنوياً شاملاً حول أوضاع حقوق الإنسان فى مصر تضمن توصيات واقعية، تستهدف تعزيز العدالة الاجتماعية والمواطنة، كما قام المجلس بتنظيم زيارات ميدانية للسجون ومراكز الاحتجاز ودور الرعاية، مما يعكس التزاماً بتفعيل دوره الرقابى على أرض الواقع وليس فقط على المستوى النظرى.

وفى مجال دعم الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فقد ساهم المجلس فى متابعة تنفيذ مبادرات الدولة، مثل «حياة كريمة» وربطها بمفاهيم التنمية وحقوق الإنسان، مؤكداً ضرورة دمج حقوق التعليم والصحة والبيئة ضمن أولويات السياسات العامة.

إن احتفاظ المجلس بالتصنيف (A) يعزز مكانة مصر داخل المحافل الدولية، حيث يتيح له المشاركة الكاملة فى اجتماعات مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، وتقديم مداخلات مستقلة باسم مصر فى القضايا الحقوقية العالمية، كما يعكس التصنيف ثقة التحالف العالمى فى التزام مصر بتطوير منظومتها الحقوقية وفق المعايير الدولية، وهو ما ينسجم مع التحولات الأخيرة فى استراتيجية مصر لحقوق الإنسان 2021 - 2026، التى تُعد أول وثيقة وطنية شاملة تتبنى نهجاً تكاملياً يجمع بين الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ومن المنتظر أن تقوم الحكومة بتمديد العمل بموجبات الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان لخمس سنوات جديدة، حيث الخمس سنوات الأولى من عمر الاستراتيجية التى بدأت فى العام ٢٠٢١ أحدثت فارقاً فى ملفات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمدنية والسياسية، كما يتسق هذا الإنجاز مع رؤية مصر 2030 التى تضع فى أولوياتها تعزيز العدالة والحوكمة والمواطنة المتساوية.

ورغم هذا التقدم لا تزال هناك تحديات تتعلق بزيادة وعى المواطنين وتعزيز ثقافة الحوار، إلا أن المجلس يسعى من خلال مبادراته الجديدة إلى تحويل مفهوم حقوق الإنسان إلى ثقافة مجتمعية راسخة وليست مجرد إطار قانونى أو مؤسسى، كما يعمل المجلس حالياً على إطلاق منصة رقمية متكاملة لتلقى الشكاوى والتفاعل مع المواطنين، إضافة إلى توسيع برامج التوعية فى المدارس والجامعات، بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم والمجلس الأعلى للجامعات.

إن حفاظ المجلس القومى لحقوق الإنسان على تصنيفه (A) لا يُعد مجرد اعتراف دولى بالإنجاز المؤسسى، بل هو رسالة إيجابية عن مسار الدولة المصرية فى ترسيخ قيم العدالة والمواطنة والمساءلة، كما أنه يبرز الدور المتنامى للمؤسسات الوطنية فى تحقيق التوازن بين حماية الحقوق والحفاظ على الأمن والتنمية فى آنٍ واحد.
ويؤكد هذا الإنجاز أن التطوير الحقوقى فى مصر أصبح عملية مستمرة وليست استجابة لحظية، وأن الإصلاح المؤسسى الحقيقى يتطلب عملاً متراكماً ورؤية واضحة تربط بين التنمية وحقوق الإنسان، ضمن منظومة واحدة تعكس الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع.