«كيفك إنت؟».. رحلة جمالية لـ«إبراهيم عبدالفتاح» في عالم زياد الرحباني

كتب: إلهام الكردوسي

«كيفك إنت؟».. رحلة جمالية لـ«إبراهيم عبدالفتاح» في عالم زياد الرحباني

«كيفك إنت؟».. رحلة جمالية لـ«إبراهيم عبدالفتاح» في عالم زياد الرحباني

فى اللحظة التى خيّم فيها الغياب على بيروت برحيل الفنان زياد الرحبانى، جاء كتاب الشاعر إبراهيم عبدالفتاح «كيفك إنت.. زياد الرحبانى»، رحلة وجدانية وجمالية فى عالم زياد، يرسم خلاله الشاعر بورتريهاً فنياً عن الفنان الراحل، عبر تفكيك ملامحه الإبداعية والروحية والفكرية، وكيف انعكس ذلك فى أعماله وسيرته ومواقفه.

يلتقط المؤلف سمات «زياد»، لا كأيقونة وحسب، بل ككيان مُشع يُطلّ بوجوه متعدّدة، من مشاهد مبعثرة، نابضة بصوته المعلق بين السخرية والوجع. يأتى الكتاب لا بوصفه سيرة أو أرشيفاً لوقائع مرتبة تاريخياً، إنما كعمل أقرب إلى «ومضات شعرية»، تتكشّف فيها ملامح شخصية زياد المتمردة القلقة، وتجربة الإنسان والفنان، ومراهقة «الفتى الذى قال لا»، حتى لميراث الرحبانية، ليرصد صورة من شظايا حياة «زياد»، حيث عاش مُتنقلاً فى قلب الوطن بين الموسيقى والمسرح والحب والحرب والسياسة.

الفنان اللبنانى الراحل اعتمد نهجاً مسرحياً سوداوياً يركز على الجمل المتشظية والصمت الطويل ويوجه نقداً اجتماعياً لاذعاً للواقع اللبنانى

ورِث «زياد»، عن أمه فيروز والرحبانية، الحسّ الموسيقى الرفيع، لكنه، ومع تفتح وعيه رفض الصورة النمطية للعالم الذى بنَوه، عالم الضيْعة المثالية، واللغة الشعرية المُصفّاة من شوائب الواقع، لم يحتمل أن يُختصر فى هوية جاهزة، بل اختار هويته: «ابن الحرب الأهلية وشارع الحمرا والمقاهى السياسية»، فقد كان يرى لبنان آخر: «بلداً منكسراً، مُنهكاً»، من هنا نشأ صوته المختلف، صوت المدينة لا الجبل، وصوت الإنسان المأزوم لا الحالم، ليتحول من وريث إلى مُجدّد، ومن ابن المؤسسة إلى ناقدها من الداخل، لا ليهدم البيت، بل ليعيد رسمه بصوت أكثر جرأة والتحاماً بالواقع.

كتاب إبراهيم عبدالفتاح الصادر حديثاً عن دار «بتانة»، يقع فى 156 صفحة، مُقسّمة إلى مقدّمة و21 عنواناً أو مشهداً، من بينها: «البيانو، الشارع، العائلة، صبى يعزف ضد التيار، أنا مش لوحدى بس مش لاقى حدا..»، واختار المؤلف عنوان الكتاب: «كيفك إنت؟» وهى واحدة من أبرز الأغنيات التى تعاون فيها زياد مع «جارة القمر»، وغنّتها فى أوائل التسعينات.

يُقدّم الكتاب قراءة وجدانية وفكرية لعالم زياد الرحبانى، هى نتاج أو خلاصة لقاءات متعدّدة مع الفنان الراحل فى بيروت، ومعايشة مع فنه، كتبها إبراهيم عبدالفتاح بلغة شاعرية مُكثّفة، كأنه أراد بها أن يلامس روح الموسيقى، ظلّ صوته مُعلّقاً بين السخرية والوجع، ليفتح باباً لفهم الفنان، بوصفه المثقف الذى صاغ بضحكته الساخرة، وألحانه الموجوعة، خطاباً مغايراً للثقافة العربية، ليبرز هنا صوت زياد، ليس بوصفه ابن فيروز وحسب، بل ابن شوارع بيروت الغاضبة، والقهر اللبنانى والحروب الأهلية والانقلابات السياسية والقلق الطويل، ليتجلى «زياد» نموذجاً فريداً للمثقف العربى المتمرّد، والأهم الفنان الصادق فى التعبير عن نفسه وواقعه المحيط.

مع الحديث عن «زياد»، أيضاً نرى فيروز كأمّ، تستمع إلى «صمت النهار»، وعاصى فى أزمته الأخيرة، و«ريما» وهى «ترتب الصور والأرشيف»، كأنها تحفظ الزمن، وزياد نفسه «بمزاجه الذى يخلط الحكمة بالسخرية»، وموسيقاه التى تحرس بيروت من النسيان، هكذا يتحول الكتاب إلى «محاولة للإمساك بالهواء الذى عبر نصف قرن من تاريخ الرحبانية».

يطرق المؤلف عالم «زياد برفق»، ولا يروى حياته زمنياً، بل يُضيئها عبر لحظات دالة، تارة يُسلط الضوء عليه بكليّته، وتارة أخرى على ملمح واحد من ملامحه، وفى هذا وذاك، لا يتتبع ترتيباً خطياً لمشوار المبدع، وإنما يُقدّمه فى بناء مشهدى تأملى، فى محاولة لرسم صورة داخلية للفنان. لا يكتفى إبراهيم عبدالفتاح بالسرد، وإنما يُعزّزه بمقاطع دالة، من حوارات «زياد» نفسه باللهجة اللبنانية، مما يُضفى حيوية على الصورة، تتماشى مع رؤية المؤلف لمشروع زياد، بوصفه «رمزاً» عصياً على النسيان.

ينطلق «عبدالفتاح» من الطفولة الأولى، حيث تشكّلت رؤية زياد الفنان للعالم، بداية من وعيه بآلة البيانو فى سن الخامسة، مُنتقلاً إلى رصد تجربة مبكرة له فى الموسيقى، وهو فى الثانية عشرة، فيتجسّد أمامنا زياد، لا بوصفه طفلاً موهوباً فحسب، بل بوصفه كائناً «يفاوض» العالم، وكأن العزف ليس تمريناً موسيقياً بريئاً، بل فعل مقاومة مبكر، يفتح حواراً مع ما لم يُقل بعد، ويعلن منذ الطفولة نزوعاً للاعتراض على التيار السائد، ليُسجل فى صباه أول مقطوعة موسيقية خاصة به.

واحدة من العلامات الفارقة التى يرصدها الكتاب، أغنية «سألونى الناس»، التى لحنها زياد لفيروز وهو فى سن الرابعة عشرة، بعد دخول والده إلى المستشفى «كتبها فى ليلة واحدة»، والأغنية علامة مفصلية فى تحولات مسيرة زياد، فرغم نجاحها الكبير، فإن زياد لم يُكمل طريق الأغانى الكلاسيكية، كان فى طريقه لحسم خياراته الكبرى بعد، فبدأ يرفض الطريق المعد له مسبقاً، ليغير اتجاهاته، ومنها اختار دخول عوالم جديدة: «المسرح السياسى، الهجاء، العامية، والطبقات المنسية».

فقد كان يرى أن الموسيقى وحدها لا تكفى للتعبير عن موقفه الفكرى، فاتجه إلى المسرح، وكتب أول مسرحية عند سن الرابعة عشرة، يتلمس خلالها أولى خطواته فى المسرح، بملامح فى طريقها للتشكل، حيث «كان يحلم بمسرح.. فيه الفقراء البسطاء الكسالى والساخرون»، وفى أول مسرحية كتبها فعلياً «لم يكن فيها ديكور ولا زينة، فقط طاولة وكرسى ومذياع».

يرصد إبراهيم عبدالفتاح أيضاً شواهد تمرّد «زياد»، فرغم أنه كان قادراً على الاستمرار فى الإرث المرموق، فإنه اختار أن يخرج من الفردوس المضمون إلى واقع ملتبس، اختار أن يكسر هذا النموذج، وحينما سُئل فى المدرسة عن اسمه بالكامل قال: «زياد فقط.. الباقى يخصهم»، يقصد الرحبانية، الاسم أو الإرث الذى فتح له كل الأبواب، لكنه كان عبئاً لم يختره.

يعبر الكتاب بنا إلى جانب من الحياة العاطفية لزياد، وقصته مع الحب المبكر والخذلان والخيبات، والعلاقة مع دلال كرم، زوجته الأولى، التى أنجبت له طفلاً، أطلق عليه زياد اسم عاصى، ولكن اكتشف أنه لم يكن ابنه البيولوجى، ومع ذلك لم يتخلّ زياد عنه، لكنه اختار على مدار عامين، الدخول فى عزلة كاملة دون الأسرة والأصدقاء «إلى أن أشرقت كارمن لبس (صديقته) فى حياته».

ومن الحب إلى أتون السياسة، «زياد لم يكن حزبياً»، يؤكدها إبراهيم عبدالفتاح: «ولكن فى العشرينات من عمره -يقصد زياد- يستيقظ على الحرب الأهلية، بيروت تغلى، والمدينة منقسمة، وقتها بدأ فى هذه المرحلة الانخراط فى السياسة، قرأ لينين وماركس وتروتسكى، ولكنه لم يكن ماركسياً كما فى الكتب، بل كان يعيش الماركسية فى تفاصيل يومه، فى المقاهى والمسرح، وشارع الحمرا، ومن رحم تلك التجربة، كتب أغنيته الشهيرة: «أنا مش كافر.. بس الجوع كافر».

السخرية والفكاهة، واحدة من بين أبرز ملامح زياد الرحبانى، تجلّت على إبداعه «لكن من يعرفه كان يدرك أنه من خلف النكتة ينام حزن قديم»، إلا أن زياد المولود فى منتصف خمسينات القرن الماضى عايش أحداث الحرب الأهلية اللبنانية، لذلك و«قبل أن يبلغ الخمسين كان زياد يتصرّف كعجوز».

فى أواخر التسعينات بدأت يد التغيير تطال زياد، جاءت «كيفك إنت؟» الأغنية التى كتبها لفيروز كنقطة أخيرة، فى سيرة حب طويلة ومُعقّدة، دخل بعدها زياد منطقة ظل طويلة، لم ينقطع عن الموسيقى، لكنه كان لم يعُد راغباً فى الصعود، أغلق الباب على نفسه وانصرف، وفى صباح يوم «رمادى» أعلن رحيل زياد الرحبانى.

وتظل قيمة زياد الرحبانى من كونه فناناً صاحب مدرسة فى الموسيقى العربية، والمسرح العربى المعاصر، فقد أحدث بفنه «نقلة نوعية فى الأغنية العربية، ومهّد لتيار جمالى جديد: أكثر صدقاً، وأقل زينة، وأشد اقتراباً من نبض الناس»، لم يركن فيه إلى «البلاغة الكلاسيكية» بل ابتكر بلاغته الخاصة «تعابير هجينة بين السياسة والشارع»: «عودك رنان»، و«أنا مش كافر».

وفى ختام القراءة نجد أن الكتاب ليس حكاية عائلة، بل «خريطة صغيرة لمدينة ولزمن ولأصوات ستظل معنا محفورة»، فيه ينجح إبراهيم عبدالفتاح فى رسم بورتريه فنى لزياد الإنسان والمثقف، لا بوصفه الابن العاق للمؤسسة الرحبانية، بل باعتباره ضميرها المتمرّد، الذى أعاد بناءها بصوته الخاص، وهكذا يظل زياد الرحبانى أيقونة التمرّد الجميل، وواحداً من أصدق من عزفوا قلقهم على أوتار المدينة، ليظل باقياً فى قلب بيروت «مثل جملة موسيقية لا تُنسى».


مواضيع متعلقة